فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 102

الفراغ علوم وآداب وفنون لا علاقة لها بماضيهم، وإنما هي علوم الغزاة، وفنون الغزاة، وآداب الغزاة، وتاريخ الغزاة، ولغات الغزاة، ومع كل ذلك فإن هذا القدر من العلوم والفنون والآداب إنما هي قشور ومقتطفات توهم النفوس الظامئة المفرغة بأنها نالت شيئًا يذكر، والحقيقة أنها نالت غذاءً تعيش به موتى في صورة أحياء لا غير) [1] .

تلكم شهادة شاهد على هذا التفريغ الثقافي، ولا سبيل إلى علاج هذه الحالة إلا بتقديم ما يملأ هذه العقول ويحرك هذه القلوب نحو حضارة وعمران كانتا سمة للمسلمين يوم أن كانوا يمتلكون ويعيشون جو الفكر الموحد في مصادره ومناهجه، وإن وجد فيه من الخلاف فيه في الرأي ما يسمح به طبيعة هذا الفكر، وما يعتبر إثراءً وحيوية تشهد لهذا الفكر بالتوازن بين ثبات النصوص وتغير الأفهام والأحداث.

ثالثًا: الارتباط بالأصول أو الوحدة الفكرية ضرورة لتنقية مجتمع الشباب بخاصة مما أصابه وانتقل إلى غيره من الناس نتيجة لغلوٍّ في بعض المسائل؛ مثل الحب والبغض، وطاعة الأمير، والولاء والبراء، والأخوة في الله، وما شابه هذا مما هو موضع لغط بين شباب المسلمين، نتيجة لعوامل متعددة بعضها نفسي وعاطفي، وبعضها فكري علمي، وبعضها عملي وواقعي، لكن الأمر في عمومه يضيع وقتًا وجهدًا تحتاجهما نهضة المسلمين المرتقبة، ولا بد أن تكون الأبجديات واضحة لدى من يفترض أنهم عماد تنفيذ المشروع الحضاري والثقافي للأمة؛ لذا فنحن لا ندين الشباب بقدر ما نبحث عن وسيلة الإنقاذ لهم وللأمة من خلالهم.

وإذا كانت عواطف الشباب وضغوط الواقع لها أثرها في إيجاد هذا الغلو لدى بعض الشباب، فإن الجانب الفكري والعملي له أهميته كذلك؛ لأن ما آمن به هؤلاء الشباب هو في أصله إسلامي، لكن سوء الفهم أو عدم دقة التفسير، أدى كل ذلك إلى الخروج بنسبة ما عن الأصول!

(وكثير من هذه الأفكار قالت بها فرق غالية في تاريخ المسلمين العقلي، باد أكثرها بمرور الزمان، ولمقاومة العلماء الربانيين، ولظهور الفساد والتهافت فيها، حتى عادت للظهور من جديد لدى بعض المعاصرين، لقلة بضاعتهم من العلم الديني، ولأسباب أخرى أحاطت بهم من قسوة المعاملة، وشيوع ألوان من الفساد الصارخ في المجتمع، على سلامة في النيات وبراءة في القصد - فيما نعتقد - ولعدم الإحاطة بوسائل التغيير الاجتماعي وهدي السلف في القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والغريب أن هذه الأفكار قد ظهرت في العديد من الأقطار الإسلامية في إفريقيا وآسيا، لتشابه الظروف والملابسات، من غلبة الاستجابة العاطفية، وقلة الفقه عند الشباب، مع غيرتهم على الدين وحرصهم على

(1) محمود شاكر، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، 224، 225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت