وكالجبر والاختيار، واستمرَّ هذا التطور حتى كان الاحتكاك الثقافي بين المسلمين وثقافات أخرى، فتحدَّدت بتأثيرٍ من هذا الاحتكاك مواقف بعض المسلمين قَبولًا أو رفضًا، أو اختيارًا لمنهج معيَّن.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدِّ؛ بل تطوَّر التأليف في الأخلاق تطورًا تخصصيًّا؛ حيث أفردت بعض الموضوعات بكتب مستقلَّة [1] ، وهذه مرحلة من الاهتمام متقدمة ومتخصصة.
ثالثًا: مِن الحقائق الهامَّة في هذا الصدد أن الموقف من الفكر اليوناني لم يكن واحدًا لدى علماء المسلمين، ولذلك فإن بعضَهم قبِله وحاول التوفيق بينه وبين الإسلام، وبعضهم كان بعيدًا عنه تمامًا، الأمر الذي جعلنا نقول: إن موجة التعميم في إيضاح الأثر اليوناني في فكر المسلمين الأخلاقي يُعْوِزُها الدقةُ في الحكم والاستيعاب التاريخي.
وللإنصاف نقول: قد نجد في فكر بعض فلاسفة الإسلام أثرًا واضحًا للفلسفة الخُلقية اليونانية، كما جاء في حديث الفارابي، وابن سينا، والرازي الطبيب، ومسكويه، لكن ذلك لا يعني أنهم كانوا ينطلقون في بحوثهم الأخلاقية مِن رغبة في سيادة الفكر اليوناني، بل حاولوا التوفيقَ بين عقيدتِهم وهذا الفكر، وكان عدم توفيقهم متوقعًا، لكن ذلك في دائرة الاجتهاد الذي يُخطئ صاحبه فيصيب أجرًا وإن كان هدفه الأجرين.
على أن إسهام المعتزلة ببحوثهم في الحسن والقبيح، وحرية الإرادة، والعدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي بمنحاها العقلي والديني في آنٍ معًا بعيدةٌ كل البعد عن الأثر اليوناني.
فإذا أضفنا إلى ذلك آراء السلف في العقائد، وتجرِبة ابن حزم مثلًا في كتابه (الأخلاق والسير) ، كان لنا أن نقول: إن كثيرًا من الفكر الأخلاقي لدى المسلمين منبثق من مصادرهم الأصلية روحًا ومنهجًا، ولا يقدح في ذلك وجود بعض الآثار لدى غير هؤلاء من الفلاسفة أو غيرهم.
ولعل تنوع المناهج لدى علماء المسلمين دليل على صحة ما نشير إليه.
رابعًا: هذا الفكر لم يكن وقفًا على طائفة من المسلمين دون أخرى، بل أسهمت أكثر من طائفة في بناء هذا الفكر، فتنوَّعتْ زوايا النظر - وربما المناهج أيضًا - بتنوع ثقافة الكاتبين فيه دون أن يكون ذلك عاملًا من عوامل الاختلاف.
فإلى جانب المحدِّثين أسهم الفقهاء بما عالجوه من موضوعات الحسبة والآداب العامة، والحرمات والحريات، وغيرها [2] ، كما أسهم الصوفية بما كتبوه في باب الآداب والأخلاق النظرية والعملية [3] ،
(1) نذكر في هذا الصدد/ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر، مناهج المستشرقين، 2/ 249.
(2) مناهج المستشرقين 2/ 249.
(3) نذكر بمؤلفات المحاسبي، والحكيم الترمذي مثلًا.