فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 102

الأمر الذي جعل كثيرًا من مؤرِّخي الفكر يضعونهم بين مصافِّ الأخلاقيين المسلمين، كذلك أسهَم المتكلِّمون بما أثاروه من قضايا أخلاقية نظرية كما أشرنا [1] .

أما الفلاسفة المسلمون، فقد كان حديثهم عن السعادة، والفضائل الفردية، والمجتمع الفاضل، وبحوثهم في النفس، إسهامًا واضحًا في هذا العلم [2] .

ولم يقف الشمول عند المهتمِّين بالدراسات الإسلامية، بل شمل كذلك أصحاب الدراسات اللُّغوية، وما أمر الراغب الأصفهاني والماوردي ببعيد [3] .

فإذا أضفنا إلى ذلك تجارِب البعض في هذا المجال؛ كتجرِبة ابن حزم، كان لنا أن نقول: إن الفكر الأخلاقي لدى المسلمين قد نبع من اهتمامهم بهذا الجانب باعتباره أمرًا دينيًّا بالدرجة الأولى، وإن هذا الفكر كان موضع اهتمام من كل أصحاب الاهتمامات العلمية تقريبًا.

خامسًا: ونظرًا لتنوع إسهامات العلماء في بناءِ الفكر الأخلاقي، فقد تمايزت مناهجهم - كما سيتَّضِح بعد قليل - ذلك أن الذين حاولوا التوفيقَ بين فكرٍ غير إسلامي وبين القِيم الإسلامية، كان لهم نهج اختلف عن أولئك الذين رفضوا هذا الفكر غير الإسلامي تمامًا؛ كالفقهاء والمحدِّثين، كما اختلف عن السابقين منهج أولئك الذين قبِلوا شكل التقسيم اليوناني للفضائل، لكنهم رفضوا المضمون، بل جعلوا مضامينهم قرآنية وحديثية، كذلك فإن جماعة الصوفية رغم أن أبرز ما اشتَهَروا به كان الأخلاق، فإنهم نحوا منحًى مختلفًا عن معظم مَن أشرنا إليهم؛ ذلك أنهم قلَّلوا من الاهتمام بالنظر والدراسة، وركزوا على الجانب العملي في السلوك دون أن يغفلوا النظر تمامًا، وكان لهم بذلك منهجهم الذي تميَّزوا به كما تميز المتكلمون بمنهجهم؛ وهذا كله جاء صدًى لموقفِهم من الفكر الوافد عليهم أو الوافدين عليه، مما كان له أثرٌ في اختيار الأسلوب وأدوات البحث بعامة.

(1) د. محمد الجليند، مشكلة الخير والشر في الفكر الإسلامي، 125.

(2) نذكر بـ: تهذيب الأخلاق لمسكويه، الطب الروحاني للرازي الطبيب، وإسهامات الفارابي وابن سينا وأتباعهما في هذا الباب.

(3) انظر: الذريعة إلى مكارم الشريعة للراغب الأصفهاني، وأدب الدنيا والدين للماوردي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت