الحقيقي لهذا العلم، لقد كان أول مَن أدرك هذه الفكرة، وهي أن لعلم الأخلاق أساسًا يتميَّز به عن التقاليد الدينية، وبهذا كان مذهب سقراط أول محاولة للأخلاق الحرَّة العقلية) [1] .
وهو نفس المعنى الذي أخطأ فيه الأستاذ نويل ج كولسون [2] ، في دراسته للقوانين الإسلامية، حين فهم أن نصوص الأحكام الشرعية في القرآن توجيهات أخلاقية فحسب، لا ترقى إلى مستوى القواعد القانونية الملزمة [3] .
إن هذه النظرة تبدو واضحةً فيما ذكرناه من آراء للدارسين المعاصرين، وبصرف النظر عما بهذه النظرة من خطأ وتحامل مردود عليهما بالتاريخ الذي يثبت لغير اليونان فكرًا أخلاقيًّا، ومردود عليهما بالمنهج؛ فمن الخطأ الحكم على الحضارات بمقياس حضارة معينة، أقول: بصرف النظر عن هذا، فإنك تجد التقليد واضحًا لدى أولئك الذين ينكرون وجود فكر أخلاقي لدى المسلمين؛ حيث تكاد ألفاظ العبارات تتشابه - إن لم تكن تتماثل - مع ما يرده المستشرقون في نظرهم إلى فكر المسلمين في تاريخه ومنهجه.
العامل الثاني: عدم وجود تاريخ واضح لعلم الأخلاق الإسلامي، فبرغم تنوُّع الدراسات منذ بداية القرن العشرين، واهتمام بعضها برسم تاريخ لهذا العلم، حتى إن بعضها يحمل عنوان (تاريخ) ، أو نحو هذا - برغم هذا فإن مسألة التاريخ التي تتناول أصول هذا العلم من حيث المصادر أو تطوُّره من حيث الموضوعات والمنهج، وأثره بغيره هذه ظلَّت غير واضحة، الأمر الذي أحدث بعض الاضطراب في تحديد المصادر أحيانًا وتحديد المدارس أحيانًا، وربما انسحب الاضطراب إلى تحديد المناهج كذلك [4] .
أقول: هذا العامل - وهو غياب التاريخ الواضح لهذا العلم - أدَّى إلى أن يبدأ البعض من مسكويه متجاوزًا قرنين من الزمان قبله، كما أدَّى إلى الاختلاف في تحديد مَن يمثل هذا الفكر في الإسلام، فكان في ذلك إغفال لإسهامات علمية دقيقة، لا يُؤرَّخ للعلم دون الاعتداد بها [5] ، وغابت بعض مراحل تطور هذا العلم لسبب أو الآخر.
(1) محمد يوسف موسى/ تاريخ الأخلاق، 73 طبعة ثالثة، 1953 م.
(2) أستاذ القوانين الشرقية جامعة لندن.
(3) مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية/ 1/ 266، نشر مكتب التربية العربي للخليج.
(4) لتفنيد هذا الزعم، انظر كتابنا:"الأخلاق بين العقل والنقل"/ 130، دار الثقافة العربية، 1989 م، د/ محمد الشرقاوي: الفكر الأخلاقي دراسة مقارنة، 8، مكتبة الزهراء، 1988 م.
(5) انظر لكاتب هذه السطور: هل أرَّخ المسلمون لعلم أخلاق إسلامي؟ 211، حولية دار العلوم، العدد الحادي عشر، 1983 م.