فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 102

الجدل، وعلم المناظرة ونحوها، مما يؤكد تمييز الثقافة الإسلامية بالوحدة والترابط إلى حد أنه نظر إليه على أنه إحدى عجائب الحضارات والثقافات البشرية [1] .

وفي الإسلام نأخذ هذا الأصل وهذا الاعتقاد من مصادره (الكتاب والسنة) وحيًا من عند الله الذي خلق فسوى وقدر فهدى، ثم يقف العقل مصدرًا معترفًا به من الوحي نفسه فيما يستطيع أن يعمل به، والعلاقة بين الوحي والعقل شغلت حيزًا كبيرًا في الفكر الإسلامي، ولكن الأمر عند التدقيق يظهر أن العلاقة بينهما علاقة تكامل لا بد منها؛ فالعقل معتبر من الشرع لكنه لا يكون ندًّا له، وهو مِيزة لكنه مسؤولية كذلك؛ فالإمام القرطبي حين اعتبر العقل هو التفضيل الذي يجب أن يعتبر دون ما عداه، وهو يفسر قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الإسراء: 70] - ذيل هذا بعبارة: (إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب؛ فمثال الشرعِ الشمسُ، ومثال العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء) [2] .

وإذا كان العقل وازعًا يعقل صاحبه عن الشر، ويقلب النظر، ويوازن بين الأشياء، وهو كذلك رشد وصار يميز بين الهداية والضلال، وأخذ من الماضي للحاضر، يعي ويتدبر، أقول: وإذا كان كذلك، فإنه موصول بكل حجة من حجج التكليف، وكل أمر بمعروف ونهي عن المحظور.

أفلا يعقلون؟ أفلا يتفكرون؟ أفلا يبصرون؟ أفلا يتدبرون؟ أفلا يتذكرون؟ أليس منكم رجل رشد؟

والعقل بهذه المعاني وهذه المهام مِيزةٌ تميز الإنسان عن الحيوانات كلها، ومسؤولية تقوده إلى ما خلق من أجله، وهو واسطة بين النفس التي تتصل بالغرائز، وبين الروح التي تتصل بعالم البقاء، وسر الوجود الدائم الذي علمه عند الله، وكأنَّا بالعقل أداة ذات حدَّينِ، وفي غالب أحولها إذا استقامت تحكم النوازع وتقود إلى الخير [3] .

فبالعقلِ نعود إلى القرآن والسنة، نأخذ منهما أصول العقيدة، والتوحيد، وتصور الألوهية الحق الذي جاء الإسلام مركزًا على بيانه وتقريره؛ إنقاذًا للبشرية من الاضطراب الذي أصابها، سواء على يد أصحاب المذاهب العقلية كاليونان والفرس، أو على يد مَن حرفوا كتبهم التي حملت التوحيد إليهم نقيًّا مثل اليهود والنصارى [4] ، وفهم عقيدة التوحيد كما جاء بها الكتاب والسنَّة فهمًا سليمًا يبعث في الأمة عزَّتها وهمتها الحضارية، وتفهم في ضوء هذا كل جوانب الاعتقاد من إيمان بالرسل والملائكة والكتب واليوم الآخر، فتكون هذه المبادئ أو هذا الغيب منطلقًا يحقق المسلم من خلاله ذاته، ويميز بالعقل

(1) السابق: 51.

(2) تفسير القرطبي، 5، 293

(3) العقاد، الإنسان في القرآن، 233 - 239 بتصرف، عبدالكريم عثمان، عالم الثقافة الإسلامية، 18.

(4) أبو اليزيد العجمي، فقه العقيدة عند الشافعي وأحمد، 60 دار الصحوة 1987 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت