فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 102

المسؤول إيجابياته، كما كان ذلك في الصدر الأول وطالما اعتمد الكتاب والسنة مصدرينِ لهذا، (ولذلك كان الجيل الأول الذي اعتنق الإسلام يؤمن بالله الواحد إيمانًا راسخًا، ويحبه حبًّا عميقًا) .

كان يفهم وحدانيَّته عن اقتناع لا ريب فيه، وكان يقتفي مظاهر هذه الوحدانية في أرجاء الأرض والسماء وما بينهما، فيبهره الجمال الإلهي المكسوب على كل شيء، ثم كان يطبق منطق هذا التوحيد الأعلى على علائقه بالناس، فلا يرغب ولا يرهب، ولا ينكص، ولا يجرؤ إلا بوحي من إيمانه الخالص، والأمة التي تنبعث عن عقائد متغلغلة الجذور في كيانها لا تعرف وهنًا ولا هوانًا.

وكذلك عاش أسلافنا وساروا، وشادوا حضارتهم، وأعلوا البناء، كان إيمانهم بالله يندفع مع الإيمان في عروقهم، ويختلط مع الهواء في زفيرهم وشهيقهم، وكان تصديقهم بالقدر وقودًا يجعل لزحوفهم قوة الإعصار، فما تردهم عقبة، ولا تثنيهم خسائر، ولا يؤجلهم عن غايتهم فرح أو ترح، وكان انتظارهم لليوم الآخر كانتظار الموظف يوم ترقيته إلى الدرجة التي يشتهيها أو المكان الذي يحب! [1] .

وبالعقل نقرأ هذا الكتاب العظيم في ضوء ما يحويه مِن سنن في الأنفس والآفاق، فإذا كنا بصدد قضايا التغيير فلا بد أن ندرك سنتها من آيات؛ مثل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] ، ومثل: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] ، ومن السنة لا بد أن ندرك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباسٍ: (( احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك ) ).

أعني: لا بد أن نفهم الدور الإنساني في التغيير في ضوء العلاقة بين تنفيذ أوامر الله سبحانه والاستقرار، بل الرضا في الحياة، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96] ، الآيات.

وإذا كنا في باب العدل والظلم وجدنا الأمر بالعدل في الحكم والقول والعمل، ووجدنا السُّنة كذلك تفيض بذلك، ثم وجدنا التحذير من الظلم وعاقبته، ومثله في باب العبادة أو المعاملة أو العلاقات ونحوها - فلا بد من الرجوع إلى المصادر والتربية على ما فيها من أطر عامة، شريطة أن يَستنبط ذلك مَن هو أهل له حتى لا نقع فيما هو موجود على الساحة نتيجة سوء الفهم أو قلة العلم أو كليهما [2] .

إن تعامل العقل مع مصدري الوحي سيعدد ويوثق روافد المعرفة البشرية، فهو في جانب العقائد وما لا يستطيع الاجتهاد فيه، يلتقي الأمر الإلهي تشريعًا ملزمًا لنا، فهمنا حكمته أو لم نفهم، وفي مجال السنن يجد العقل إشارات حافزة على التطبيق واستقاء العبرة توظيفًا لها في حياتنا وواقعنا، ثم إن الوحي نفسه حرَص على تربية جوانب الإنسان جسده وعقله وروحه، فشرع لكل من هذه الجوانب.

(1) محمد الغزالي، الإسلام والطاقات المعطلة، 85، دستور الوحدة الثقافية، 25.

(2) الشافعي، السابق: 239.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت