وفي باب روافد المعرفة يلتقي العقل إلى جانب الخير بأنماط أخرى مربية للعقل والتفكير؛ فالآيات التي جاءت في الكتاب العزيز بمادة (سخر) ، والسور أو الآيات التي حملت أسماء ظواهر كونية؛ مثل الرعد والقارعة ونحوها، تشير - إلى جانب دلالتها على عظمة الله سبحانه - إلى ضرورة تعلم قوانين هذه المسخَّرات كي يستفيد الإنسان منها، وفي هذه الدوائر يوجد الإنسان علومًا ومعارف هي عماد الجانب المادي من حضارة الإنسان في عصرنا.
كذلك فإن الآيات التي تدعو إلى النظر والتأمُّل واليقين، توحي بشكل واضح بالاهتمام بمادة التجربة في حياة الإنسان.
أقول: هكذا نكون وحدة المصادر، نتربى على الأطر العامة والقواعد الكلية فيها، مفرقين منهجيًّا بين الحقائق التي ليس للعقل فيها جهد إلا الاعتبار والالتزام، والأمور التي هي موضع اجتهاد وَفْقَ الضوابط الشرعية، إسهامًا واقعيًّا في حل المشكلات المعاصرة.
أقول: من خلال وحدة المصادر سيتَّضح أن الأمة ملتقية على جوانب أساسية: (الاعتقاد فيما يجب به - تصور الإسلام للكون والحياة، رسالة الإنسان فيها - طبيعة هذه الأمة - رسالتها بين العالَمين، والصراع بين الحق والباطل أزليته وأبديته - قانون الحركة في الحياة في ضوء سنن الله تعالى في الأنفس والآفاق) ، هذه وغيرها ضوابط تمثل الغيب أو الاعتقاد أو المبادئ الضابطة لفكرنا في محاولة الالتحام بالواقع وحل مشكلاته.
لكن هذه الأطر العامة تكتسب دورَها في الوحدة الفكرية إذا نقلت إلى العقول والقلوب وَفْقَ منهاج علمي أصيل، ومن هنا تبدو أهمية وحدة المنهاج أداة للفهم، وطريقًا للاستنباط، وصلة بين محتوى النصوص وقواعد التطبيق في حياتنا.
وحدة المناهج:
من المسلَّمات في الفكر الإسلامي القيمة التي أعطاها الإسلام للعقل، والعلم الإسلامي في شتى صوره دليل على صحة هذه المسلمة، (التوافق بين صريح المعقول وصحيح المنقول أمر مقرر في ثقافتنا التقليدية على اختلاف مدارسها، وكما يقول العقاد: التفكير فريضة إسلامية) [1] .
وضوابط هذه الفريضة هي ما نسميه بالمنهاج، ونعني به المبادئ التي يلتزم بها كل من يجتهد في استنباط الأحكام أو الحلول من النصوص، ومع ضرورة الالتزام هذه يسمح ويقبل الرأي الآخر، وفي الاعتبار كذلك أن طبيعة كل علم وموضوعه ربما يفرضان بعض الاختلاف في التفاصيل، لكن تبقى الملامح الأساسية مشتركة بين أبناء الثقافة الإسلامية.
والحديث عن ملامح المنهاج المبتغى يتطلب أن نشير إلى جانبين اثنين يتكاملان لإبراز هذا المنهاج:
(1) الغزالي، دستور الوحدة الثقافية، 185.