ولو كان الأمر يقف عند حدِّ الاتهام لهان الأمر؛ إذ يمكن أن يقال: إنه داخل في باب الاجتهاد الذي خطئ صاحبه، أما أن يصل الكيد إلى حدِّ التزييف والكذب، فهذا هو الخطر الحقيقي، وقد حدث ذلك في سنة (726 هـ) عندما سئل ابن تيمية من عالِمينِ، عن مضمون قوله في مسألة زيارة القبور، فكتب ذلك في درج، فكتب تحته قاضي الشافعية بدمشق: قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تيمية إلى أن قال: وإنما المَحَزُّ جعلُه زيارةَ قبرِ النبي صلى الله عليه وسلم وقبور الأنبياء صلوات الله عليهم، معصيةً بالإجماع مقطوعًا بها.
ويقول ابن كثير معلِّقًا: (فانظر الآن على هذا التحريف على شيخ الإسلام ... ، وأن كتبه تفيض بغير ما حرَّفوا، وفهمُه لم يكن ليصل إلى ما اتَّهموه به من قوله: الإجماع على معصية هذا) [1] .
• الإفتاء بغير علم، وكان مِن آفة الفساد في العلماء أن يتكلَّم بعضهم فيما لا علم له به؛ فابن زهرة المغربي اقترف هذا الفساد سنة (712 هـ) ، فطِيف به في دمشق وهو مكشوف الرأس، ووجهه مقلوب، وظهره مضروب، ينادَى عليه: هذا جزاء من يتكلَّم في العلم بغير معرفة [2] .
• وقريب من هذا: ما كان يفعله بعض المنتسبين للعلم من التكفير للناس بأدنى ملابسة؛ ففي المحرم من سنة (714 هـ) ، استحضر السلطان بين يدَيْه الفقيه نور الدين علي البكري، وهمَّ بقتله، فشفع فيه الأمراء، فنفاه ومنعه من الفتوى والكلام في العلم؛ وذلك لاجترائه وتسرُّعه على التكفير والقتل، والجهل الحامل له على هذا وغيره، فانظر إلى حال مَن قاده جهله إلى الحجر عليه في عمله الذي به قيمته؛ لأنه لم يحسنه، فقيمة كل امرئ ما يحسنه.
تعقيب: ويمكننا أن نعتبر - في تتبعنا لأطوار الموقف السَّلَفي - الحركةَ الإصلاحية للشيخ محمد بن عبدالوهاب امتدادًا وتجديدًا لمرحلة ابن تيمية؛ وذلك أننا نلحظ في الكتب التي صُنِّفت في العقائد بعد الشيخ ابن عبدالوهاب، نلحظ فيها تشابهًا كبيرًا مع ما حملته إلينا رسائل ابن تيمية وفتاواه، وهذا ليس بمستغرب، بل هو الطبيعي؛ لأن الهدف من هذه الحركة الإصلاحية إنما هو تجسيد عملي لِما تغيَّاه ابن تيمية في جهاده الفكري والعملي.
ولعلَّ ما قدَّمناه من ظروف المرحلتين وتشابههما إلى حدٍّ كبير، يصلح إجابة للسؤال الذي انطلق من ملاحظة المؤلَّفات ذات الاهتمام بالعقيدة السَّلَفية، وادِّعاء الفِرق، واضطراب الأحوال، ووجود أصحاب الأهواء، وانتشار البدع، وادِّعاء المهدية والنبوة، ثم فساد أحوال العلماء نتيجة العصبية المذهبية وتسرُّب بعض الأفكار الدخيلة إليهم في المرحلة الأولى، وفقدان رسالة العلم، وأمانة العالم في المرحلة الثانية، وكذا الأولى.
(1) السابق/ 14/ 108.
(2) السابق/ 14/ 57.