فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 102

الحقيقة الثانية:

أنَّ ما نعانيه اليوم من تمزُّق في الشخصية العربية الإسلامية؛ بَدْءًا من اضطرابها في مفاهيم عقيدتها مثل تصور الإسلام لله تعالى والكون والإنسان، ومرورًا بفقدانها روح المسؤولية الحضارية المنوطة بها، وانتهاء باستمرائها التبعية الفكرية لسبب أو لآخر، هذا كله من أثر التعليم والتربية، وقد فطن أعداء الأمة إلى أن خير وسيلة لإفساد الأمة هو إفساد التعليم، باعتباره رافدًا أساسيًّا في صياغة الشخصية، وحسبنا أن نشير إلى مواقف لها دلالتها:

أ - موقف محمد علي من الأزهر؛ حيث أغفله وهو يبني نظام تعليم مصري جديد، بل إنه فرض ضرائب على ممتلكات الأوقاف ليحجم موارد نشاط الأزهر.

ب - موقف إسماعيل - مع اعترافنا بإيجابيات في التعليم تحسب له مثال بناء دار العلوم وغيرها - من اهتمامه بجعل مصر جزءًا من أوروبا، وسماحه للهيئات التبشيرية الكاثوليكية بالوجود وإنشاء مدارس ابتدائية وثانوية بلغت سبعين مدرسة، بل أكثر من هذا يسمح للأقليات القبطية واليهودية بإنشاء العديد من المدارس، وساعدتها الحكومة المصرية في شكل أموال أو أراضٍ للبناء.

ويضاف إلى ما سبق تعميق ازدواجية التعليم في عصر إسماعيل.

ج - موقف كرومر (المعتمد البريطاني) ودانلوب (مستشار التعليم) من التعليم في مصر بعد احتلال بريطانيا لها عام 1882 م؛ حيث حرَص على وضع خطة تحرم الأمة من أن يكون التعليم أداة لتطويرها أو تنويرها، ونشير إلى أبرز ملامح هذه الخطة:

تخفيض ميزانية التعليم في مصر.

تشجيع نوع التعليم الحر، متظاهرين بالاهتمام بالكتاتيب لخداع الجماهير المسلمة.

العمل على إضعاف اللغة العربية، حتى إن اللغة الإنجليزية كانت لغة التعليم سنة 1888 م.

تفريغ التعليم من مضمونه الديني والوطني.

فرض الرسوم على التعليم لتضييق نطاقه.

وقد نتج عن هذا كله آثاره الطبيعية من انفصال بين التعليم ونهضة الأمة، ومن انحسار التعليم العالي، ومن تأجيل الازدواجية بين التعليم الديني والمدني، لا بل إن السلطة المحتلَّة حاولت التدخُّل في شؤون الأزهر، غير عابئة بحساسية تدخلها، فعينت مستر ويلكوكس رئيسًا لتحرير مجلة الأزهر 1892 م، وقد ساعد ذلك على تفاقم ظاهرة الازدواجية والفصام الفكري والثقافي بين خريجي التعليم التقليدي الأزهري، وخريجي التعليم المدني شبه العلماني [1] .

(1) حسن الشافعي، في فكرنا الحديث والمعاصر، 67، 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت