وقد كان أحمد بن حنبل يرى أن الحجامة تنقض الوضوء، فسئل عمَّن رأى الإمام احتجم وقام إلى الصلاة ولم يتوضأ، هل يصلِّي خلفه؟ فقال رضي الله عنه: كيف لا أصلي خلف مالك وسعيد بن المسيب.
وكان أبو حنيفة وأصحابه يرون الوضوء من خروج الدم، ولكن أبا يوسف رأى هارون الرشيد احتجم وصلَّى ولم يتوضأ؛ لأن مالكا أفتي الخليفة بأن لا وضوء عليه إذا هو احتجم، فصلى أبو يوسف خلفه ولم يُعِد الصلاة.
ورووا أن الشافعي ترك القنوت في صلاة الصبح لما صلى مع جماعة الأحناف في إحدي مساجد بغداد، وذلك رعاية لآداب الإسلام، ورغبته عن الخلاف [1] .
هذا خلاف العلماء أساس في الوحدة الفكرية؛ لأنه في الإطار العام الذي أشرنا إليه، ويسهم بشكل أو بآخر في الحال التي نحن عليها.
كيف نخرج من مأزق الاختلاف إلى الوحدة الفكرية؟
الحديث عن وسائل الخروج من المأزق الفكري الذي تعيشه الأمة حديث صعب ومتعدد المناحي، مما يجعل بحثًا كبحثنا هذا لا يتَّسع له، وإنما حسبنا أن نشير إلى أمور:
الأمر الأول:
أن العوامل التي نتج عنها ما نحن فيه متعددة، بعضها من داخل الأمة تراجع حضاري، وكسل عقلي، وجمود فكري، وبعضها خارجي داخل في دائرة الاحتكاك الثقافي بين جهتين غير متكافئتين لا في الظروف ولا في الآليات المستخدمة عند كل، وهذا معناه أنَّ الوسائل اللازمة ينبغي أن تتعدد وأن تدرك أبعاد هذه العوامل.
الأمر الثاني:
أن الموقف صعب عند دخولنا حيِّز التنفيذ؛ لأنه مع تعدد وتشابك العوامل الحاكمة للظاهرة، فإنه لا يزال هناك انفصام بين اقتراحات الحلول وجهات التنفيذ، وبخاصة إذا تعلق الأمر بما يسمى بالمهام القومية؛ كالتعليم والإعلام ونحو هذا.
(1) الغزالي، دستور الوحدة الثقافية، 82، 83.