* وهذه الملامح المميزة جعلت مِن هذا الجهد العلمي مَعلمًا بارزًا في تاريخ الفكر الأخلاقي لدى علمائنا السابقين، وحق علينا أن نبذل الجهد في الإفادة من مناهجهم ونظراتهم.
* أما ابن حزم (ت 456 هـ) - فمع إمكانية تصنيفه ضمن المتكلمين - فإنه في رسالته"الأخلاق والسير"قدَّم تجرِبة في باب الفكر الأخلاقي لدى المسلمين؛ ذلك أنه حشد في هذه الرسالة نصوصًا وتجارب، إلى حد أنه بحث فيها بعض الموضوعات التي لا تندرج تحت عنوانها بشكل أو بآخر؛ كما في حديثه عن الحب وما يتصل به [1] .
لكننا مع ذلك نعتبرها ضمن الفكر التربوي الذي يُعنَى بالجانب العملي؛ حيث إنه تحدث عن تجربته الشخصية وسلوكياته وكيف قوَّمها، فكان أشبه بالمذكرات أو الاعترافات التي تقتضيها أخلاق النقد الذاتي لدى الملتزم الذي يدرك أن الإنسان يخطئ ويصيب، وأن عليه أن يُقوِّم سلوكه في ضوء الضوابط الإسلامية.
وأبرز ما ظهر في الرسالة ما يلي:
أولًا: توسيع ابن حزم دائرة الاستشهاد والاستفادة من النصوص الدينية، فهو قد يستشهد بنص إسلامي، وقد يشير إلى فكرة موجودة في التوراة والإنجيل، فهمًا منه أن مكارم الأخلاق قاسم مشترك بين كل الديانات التي أنزلت لتربي الإنسان.
ثانيًا: إشارات ابن حزم تفيد أنه كان يعرف الفكر الأخلاقي لدى اليونان، وأن بعض العدوى التي أصابت غيره أصابَتْه أيضًا؛ مثل الوسطية الأرسطية، وإرجاع الفضائل إلى أصول أربعة؛ كما جاء عند أفلاطون، لكن ابن حزم لم يقع فريسة الإعجاب بهذا الفكر أو بغيره؛ كالفكر الهندي الذي ترجم إلى العربية كما جاء في كتب ابن المقفع مثلًا.
لكن ذلك كله يشير إلى تعدد المصادر عند ابن حزم، فهو قد جمع جل ما أتيح من فكر واستفاد به في حياته العملية، وحسبك أن تقرأ هذا النص في مقدمته لهذه الرسالة:
(فإني جمعت في كتابي هذا معاني كثيرة، أفاد فيها واهب التمييز تعالى، بمرور الأيام وتعاقب الأحوال، بما منحني - عز وجل - من التهمم بتصاريف الزمان، والإشراف على أحواله، حتى أنفقت في ذلك أكثر عمري، وآثرت تقييد ذلك بالمطالعة له والفكرة فيه، على جميع الملذَّات التي تميل إليها أكثر النفوس، وعلى الازدياد من فضول المال، وزممت كل ما سبرت من ذلك بهذا الكتاب لينفع الله تعالى به مَن يشاء من عباده ممن يصل إليه ما أتعبتُ فيه نفسي، وأجهدتها فيه، وأطلت فيه فكري فيأخذه عفوًا وأهديته إليه هنيئًا، فيكون ذلك أفضل له من كنوز المال، وعقد الأملاك، إذا تدبَّره ويسَّره الله تعالى لاستعماله، وأنا
(1) الأخلاق والسير، 165 تحقيق د/ الطاهر مكي، دار المعارف، 1981 م.