فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 102

أما ابن عبدالبر حافظ المغرب (ت 463 هـ) ، فكان عمله هذا مرحلة ميَّزتْه عن بدايات الفكر الأخلاقي لدى المحدثين، ويمكن أن نشير إلى أبرز ما تميزت به فيما يلي:

أولًا: تركيزه على موضوع واحد هو العلم، لكن هذا التركيز لم يحرمه مِيزة السَّعَة والشُّمول؛ حيث عالج كثيرًا من النقاط التي تتَّصل بالعلم من الناحية الفكرية إلى جانب معالجته لما ينبغي للمشتغلين به من الناحية الأخلاقية، وقد جاء ذلك واضحًا في السطور الأولى من المقدمة؛ حيث يقول:

(أما بعد؛ فإنك سألتَني رحمك الله عن معنى العلم، وفضل طلبه، وحمد السعي فيه، والعناية به، وعن تثبيت الحجاج بالعلم، وتبيين فساد القول في دين الله بغير فهم، وتحريم الحكم بغير حجة، وما الذي أُجيز من الاحتجاج والجدل، وما الذي كره منه، ورغبت أن أقدم لك قبل هذا من آداب التعلم، وما يلزم العالم والمتعلم التخلق به والمواظبة عليه ... ، إلى سائر أنواع آداب التعلم والتعليم، وفضل ذلك وتلخيصه بابًا بابًا، مما روى عن سلف هذه الأمة رضي الله عنهم أجمعين، لنتبع هديهم ونسلك سبيلهم) [1] .

ثانيًا: جمعه بين المعيارية فيما ذكره من مبادئ خلقية ينبغي الالتزام بها، والوصفية فيما ذكره من الواقع الخلقي سلبًا أو إيجابًا، وفيما ذكره من روايات تاريخية نؤكد المبدأ الذي ينبغي أن يلتزم به العالم أو المتعلم، وهذه الحقيقة مبثوثة في كل مباحث الكتاب وتفريعاته.

ثالثًا: ظهور التفريعات في كثيرٍ من معالجته، فمثلًا نجدُه يُعَنْوِن لمبحث بعنوان (باب ما يكره فيه المناظرة والجدل والمراء) ، وتحته يناقش الجدل والمراء في القرآن، ويبيِّن حكمه، والجدال في أحكام القرآن ومعانيه ويبين حكمه، ثم يناقش الجدال في الفقه ويبين حكمه، وهو في ذلك يربط الحكم الخلقي في الإسلام، ليس العقل وحده، وليس الحدس وحده، وإنما هو النص بعد تفهمه من العقل وانفعال الحس به.

هذا فضلًا عن وضوح استخدام المصطلحات الأخلاقية كما جاءت في الألفاظ المستعملة في سياق شرعي.

رابعًا: الاستناد إلى النصوص القرآنية والحديثية فيما يدعو إليه من ضوابط خلقية، ولذلك تعرض لتفسير بعض الآيات القرآنية، كما تعرض للدراسة المناسبة في متن الحديث أحيانًا، وفي سنده أحيانًا أخرى؛ توطئة لبيان حكم، أو تأسيس مبدأ أخلاقي في مجال البحث العلمي والمعرفة بعامة.

وقد جمع إلى وثاقة النصوص فهوم بعض الصحابة والتابعين، وقد أورد بعض الروايات التاريخية التي تشهد - أو تمهد - لِما يناقشه من مسائل، ربما انطلق في انتقائه لها من نقطة فساد الواقع؛ كما جاء في معالجته لصلة العلماء بالسلطان.

(1) جامع بيان العلم وفضله، 3، دار الكتب العلمية، بيروت، 1978 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت