خامسًا: عدم غياب الجانب العملي في فكرهم الأخلاقي؛ ذلك أنه قد يفهم من إعلائهم لشأن المعرفة، واستغراقهم في بحوث نظرية، قد يفهم منه أنهم قلَّلوا من الجانب العملي في الأخلاق، لكن الحقيقة أنهم اهتمُّوا بهذا الجانب وهم يتحدثون عن السعادة، وكيف تتحقق، وبيان أن المعرفة وحدها - أعني المعرفة بالفضيلة - لا تحيل الإنسان فاضلًا، بل لا بد من الممارسة، وقد ظهر هذا في تعريفِهم للحق، كما ظهر في بيانهم لمكانة علم الأخلاق بين العلوم العلمية، كما ظهر في كراهية مسكويه للعزلة التي لا تختبر فيها الأخلاق.
سادسًا: عدم نجاحهم في التوفيق بين الفكر اليوناني والأخلاق الإسلامية، والسبب الرئيسي في ذلك هو أن الأخلاق في الإسلام دين، والأخلاق في الفكر اليوناني عقل يغفل الذات الإلهية ويخرجها من مجالات علم الأخلاق، فضلًا عن أن السعادة في الإسلام تتجاوز حدود هذه الحياة، بينما هي عند العقليين واقعة في نطاق حياتنا الدنيا، وعوامل أخرى كثيرة ليس هنا مجال تفصيلها [1] .
مدرسة الراغب الأصفهاني:
ذكرنا فيما سبق أن الموقف من الفكر اليوناني - وبخاصة في علم الأخلاق - كان له أثره في منطلقات ومناهج الأخلاقيين، كما ذكرنا سمات مَن رفضوا هذا الفكر ولم يظهر له أثر في فكرهم، وسمات مَن قبِلوا الأمر وحاولوا التوفيق بينه وبين الأخلاق الإسلامية، لكن صفحات تاريخ الفكر الإسلامي تسجل إسهامات لعلماء لم يعجبوا بالفكر اليوناني، وفي الوقت ذاته لم ينجوا من بعض آثاره في كتاباتهم، أو بتعبير آخر: قبلوا شكل الفكر اليوناني كتقسيمات وبعض المصطلحات، وملؤوا هذا الشكل بمضمون إسلامي يحفل بالنصوص الإسلامية، كما يُعنَى بتوجيهاتها الدينية.
وقد اخترت من بين هؤلاء الراغب الأصفهاني (502 هـ) ، باعتباره مدرسة كانت تطويرًا لفكر الماوَردي في أدب الدين والدنيا (450 هـ،) وتركت آثارها واضحة في الغزالي (505 هـ) ، وكثيرين بعده كتبوا بالطريقة نفسها، وقد كان كتاب الذريعة للراغب الأصفهاني أبرز آثاره في هذا الجانب، وأبرزها تأثيرًا وقيمة بعده، وفيه أيضًا تجلَّت سِمة تطور ما كان عند الماوردي من فكر أخلاقي، والمقارنة بين موضوعين بعنوان واحد لدى الماوردي والأصفهاني تشهد بذلك [2] .
(1) أندريه كرسون: المشكلة الأخلاقية، 92 ترجمة (د. عبدالحليم محمود) ، ود. أبو بكر زكريا الطويل، د: الفلسفة الخلقية، 13، صبحي: الفلسفة الأخلاقية، 313.
(2) انظر: الذريعة إلى مكارم الشريعة بتحقيقنا، 43 - 47، الطبعة الثانية 1987 م، دار الوفاء.