الفلاسفة ربط هذه الوسطية ببعض المعاني الإسلامية، فإن أغلب الظن أنهم أخذوا هذا المفهوم للفضيلة [1] عن الإغريق، يقول مسكويه مثلًا:" (وأما الذكر) وهو وسط بين النسيان الذي يكون بإهمال ما ينبغي أن يحفظ، وبين العناية بما لا ينبغي أن يحفظ [2] ، ويقاس على ما ذكرناه كثيرٌ من المفاهيم الأخلاقية".
ثالثًا: ظهور جانب فلسفي في البحث الأخلاقي لدى الفيلسوف المسلم؛ فالفارابي مثلًا حين يتحدَّث عن السعادة كغاية قصوى للفعل الأخلاقي، يشترط لتحقيقها ركنين؛ هما: الجانب العملي الذي يمثِّل الممارسة والمجاهدة، والجانب النظري الذي يمثل المعرفة والتأمل، ويعلي من شأن هذا الجانب الأخير، كما هو موجود في الفكر اليوناني؛ حيث التفلسف والتأمل طريق كل خير وسعادة.
ويذكر الفارابي أن هذه الحكمة أو المعرفة النظرية هي التي تعرفنا بالواحد الذي هو مصدر كل الفضائل، والتي تكسب الموجودات فضائلها منه.
هكذا يربط الفارابي بين نظرية السعادة كمسألة أخلاقية وبين المعرفة بطريقة أوضحت قوله بنظرية الاتصال بالله تعالى، لكي تتم المعرفة العظمى، ومنها تتوالد السعادة القصوى [3] .
رابعًا: عدم غياب الأثر الإسلامي لدى الفلاسفة مع غلبة التأثير اليوناني؛ ذلك أنهم كانوا يختارون في بعض الأحيان الوقوف إلى جانب النظرة الإسلامية في مسألة ما، فمثلًا بعد أن تعرضوا لفطرية الأخلاق أو كسبيتها، وبعد أن عرضوا آراء اليونان، وقفوا إلى جانب أن الأخلاق مكتسبة وأنها تغير، وغير ذلك يوقع في الجبرية والحتمية، ويوقع في فهمٍ مؤدَّاه عدم جدوى الشرائع، بل انهدام البحث الأخلاقي وقواعده [4] .
وغير هذا كثير من المعاني الإسلامية التي جعلت بحوثهم تيارًا في علم الأخلاق الإسلامي بنسبة ما، كما فعل الفارابي في شروط رئيس المدينة الفاضلة من ضرورة زهده وحكمته، وعلمه بأمور الشريعة، كما ظهر الأثر الروحي في بعض مباحث وعبارات مسكويه، وكما ظهرت محاولتهم بشكل أو آخر ببيان أن الشرع فوق العقل وأنه يمده بنوره، لكن ذلك لا ينفي أن واحدًا كمسكويه لم يظهر دور العناية الإلهية، ولم يركز على الجزاء الأخروي التركيز اللائق [5] .
(1) الفارابي، التنبيه على سبيل السعادة، 9.
(2) تهذيب الأخلاق، 47.
(3) تحصيل السعادة، 14.
(4) تهذيب الأخلاق، 51.
(5) الفلسفة الأخلاقية، 313.