فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 102

* وإذا كان الفارابي قد احتلَّ هذه المكانة، فإن فيلسوفًا آخر اشتهر بالأخلاق أكثر من اشتهاره بالفلسفة، بل اعتبر معلمًا بارزًا في تاريخ علم الأخلاق الإسلامي، وإن كانت محاولته هي الأخرى جاءت ضمن محاولات التوفيق لكنها كانت ممحضة لجانب الأخلاق، ذلكم هو ابن مسكويه الذي عرف بكتبه في الأخلاق [1] ، كما عرف عنه عهده الخلقي الذي ألزم به نفسه فيما يبدو [2] .

لذا فإن الحديث عن منهج الأخلاق لدى فلاسفة الإسلام، وإن كان يضع في اعتباره كل مَن كتب في الأخلاق من الفلاسفة، فإنه يرتكز أكثر على كتابات الفارابي ومسكويه؛ وذلك للأسباب التي أشرنا إليها آنفًا.

* أما ملامح منهجهم؛ فهي بإجمال - وَفْقَ خطتنا - تبرز ما يلي:

أولًا: الاعتراف الصريح بالفكر اليوناني مصدرًا لهؤلاء الفلاسفة؛ ذلك أنهم - كما أشرنا - أعجبوا بهذا الفكر إعجابًا به بلغ حدَّ الافتتان، وإذا كان الكندي كما ذكرنا قد عبَّر عن معرفة ما بهذا التراث، فإن الفارابي حين يتحدَّث عن صلة علم الأخلاق بالسياسة، يذكر صراحة أن الاهتمام بالمجتمع من هذه الزاوية يوجد في كتاب السياسة لأرسطو وكتاب السياسة لأفلاطون [3] ، فضلًا عما جاء في محاولته شرح آرائهما في الأخلاق في (الجمع بين رأيَي الحكيمينِ) .

أما ابن مسكويه، فأنت لا تجد عناءً في تلمُّس ذلك؛ لأنه يذكر في كل مسألة يبحثها رأي أرسطو، ورأي أفلاطون، ورأي جالينوس، وهكذا، وحسبنا أن ننقل عنه عبارةً عقَّب بها على ما نقله من آراء المحققين من الفلاسفة في السعادة القصوى، يقول: (فهذه ألفاظ هذا الحكيم، فقد نقلتها نقلًا، وهي من نقل أبي عثمان الدمشقي، وهذا الرجل فصيح باللغتين جميعًا؛ أعني اليونانية والعربية، مَرْضي النقل عند جميع مَن طالع هاتين اللغتين، وهو مع ذلك شديد التحري في إيراد الألفاظ اليونانية ومعانيها في ألفاظ العرب، ومعانيها لا تختلف في لفظ ولا معنى، ومن رجع إلى هذا الكتاب المسمى(بفضائل النفس) قرأ هذه الألفاظ كما نقلتها) [4] .

ثانيًا: ظهور الأثر اليوناني في كثير من آراء الفلاسفة المسلمين في قضايا أخلاقية؛ إذ من المقرر انتقال تقسيم أفلاطون للنفوس إلى شهوانية، وانتقال الفضائل الأمهات بعددها المحدود، منحصرة في العفة والشجاعة، والحكمة والعدالة؛ وذلك بناءً على النظرة إلى مكوِّنات الإنسان، وانتقال فكرة الوسط الأخلاقي معيارًا لمفهوم الفضيلة باعتبارها وسطًا بين رذيلتين، وبصرف النظر عن محاولات بعض

(1) تهذيب الأخلاق، الفوز الأصغر، الفوز الأكبر.

(2) هذا العهد نصه موجود في معجم الأدباء، 17 - 19، والوافي بالوفيات، 8/ 110.

(3) انظر: إحصاء العلوم، 102.

(4) مسكويه، تهذيب الأخلاق، 94، تقديم الشيخ حسن تميم، مكتبة الحياة - بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت