مفهومهما بمعنى الحسن والقبح، فيقول: ( ... فإن قال: فما الشر في الحقيقة؟ وما الخير؟ قيل له: الخير هو النفع الحسن، والشر هو الضرر القبيح، ويتعالى الله عن فعله) [1] .
(وتعريف القاضي الخير بأنه النفع الحسن، يضع أمامنا تفرقة حاسمة بين معنى الخير والشر، والحسن والقبيح، فالحسن ليس مرادفًا للخير، كما أن القبيح ليس مرادفًا للشر) [2] .
كذلك جرَّهم حديثهم عن شروط الحسن والقبيح أن يحدِّدوا معنى (الواجب) ، فعرفه القاضي عبدالجبار بقوله:"هو الذي يستحق العالم به الذم بألا يفعله، والمدح بأن يفعله، أو ما إذا لم يفعله القادر عليه استحق الذم" [3] .
رابعًا: إثارة قضية الحرية محورًا أخلاقيًّا هامًّا في التكليف والمسؤولية؛ ذلك أن المعتزلة - وسط الحديث الدائر عن الجبر آنذاك - ربطوا قضية الحرية بالأصل العقدي (العدل) ؛ إذ رأوا أن من العدل أن يكون الإنسان حرًّا مختارًا، تصدر عنه أفعاله الاختيارية بقدرة أودعها الله فيه، تفعل الشيء وتقدر أن تفعل ضده.
وهم يقولون: إن الجبر ينافي العدلَ ويسقط التكليف والمسؤولية؛ إذ يؤدي إلى انعدام الفرق بين المحسن والمسيء، وينفي الحكمة من إرسال الرسل، كما ينفي معنى الثواب والعقاب، ولست أريد أن أفصِّل القول في قضية الحرية عندهم بقدر ما أريد أن أوضح أنهم اهتموا بما يسمى (الأخلاق الأساسية) [4] ؛ إذ بها يكون المرء مسؤولًا أخلاقيًّا، وبدونِها يفقدُ الإنسان مناط مسؤوليته عن أفعاله.
وقضية المسؤولية كانت موضع اهتمام المعتزلة، الأمر الذي جعلهم يناقشون مسألة (التوليد) كأثر من آثار الفعل الإنساني الصادر عنه بحرية وإرادة.
خامسًا: عدم غياب الجانب النفسي (السيكولوجي) في الفعل الأخلاقي عندهم؛ ذلك أن المعتزلة يرون أن هناك من الأفعال ما لا يوجد له قيمة أخلاقية إلا بالنية؛ كالهجرة والعبادة، فإن ذلك قد يراد به الشيطان، وقد يراد به وجه الله تعالى، وذلك لا يعرف إلا بالنية، وكل الأوامر والتكاليف الشرعية لا بد فيها من هذه النية، وهذه الأفعال تكمن قيمتها الأخلاقية في النية، وتستمد حسنها وقبحها من ذلك القصد وتلك الإرادة [5] .
(1) المختصر في أصول الدين 1، 311، المغني، 5/ 32.
(2) الجليند، مشكلة الخير والشر، 53.
(3) القاضي عبدالجبار، شرح الأصول الخمسة، 29 - 40.
(4) الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي، 155، عبدالحميد مدكور، دراسات في الأخلاق، 104.
(5) مشكلة الخير والشر، 72.