* أما عن أبرز ملامح منهج المتكلِّمين، فيمكن إجمالها فيما يلي:
أولًا: ربط المسائل الأخلاقيَّة بالأصول العقدية، كما ظهر في فهم المعتزلة لأصل (العدل) صفة لله عز وجل؛ إذ إنَّهم مع اشتراكهم مع جميع المسلمين بأنَّ الله سبحانه متَّصِف بالعدل ومنزَّه عن الظلم، فإنهم انفردوا بقولهم أنَّ هذا الأصل؛ يعني: أن الله تعالى لا يفعل القبيح؛ لأنه عالم بقبحه ومستغنٍ عنه، عالم باستغنائه عنه؛ ولذا أوجبوا على الله تعالى فِعلَ الصَّلاح، وبعضهم أوجب عليه فعل الأصلح بالنِّسبة للعبد.
ونتيجة لهذا، فإنَّ مصطلحي القبح والحسن أو الخير والشر، أخذا في الظهور، الأمر الذي جرَّهم إلى حديث مفصل عن الحسن والقبح في الأشياء، هل هو ذاتي أو عرضي؟ وهل قيمة الشيء في ذاته أم مرتبطة بفاعله، أم أنها موجودة في الفطرة قبل وجود النِّية؟ وهكذا كان الأصل العقدي عندهم منبعًا لمسائل أخلاقية هي من صميم العلم.
ثانيًا: بروز المنحى العقلي في بحث المسائل الأخلاقية، ففي حين ظَلَّ كثير من المتكلمين - غير المعتزلة - في دائرة النصوص أمرًا ونهيًا، مستقين من ذلك حسن الشيء أو قبحه، فإن المعتزلة بحثوا هذه المسألة (التحسين والتقبيح) باعتبار أن العقل قادرٌ على إدراك ما في الأشياء من قبح ذاتي أو حسن ذاتي.
وبمقتضى ذلك يحكم العقل بحسن الصِّدق والأمانة وعون الضعيف، ونصرة المظلوم، بينما يحكم بقبح الكذب والسرقة والقتل ونحو ذلك.
ويرى المعتزلة أن العقلاء لا يختلفون في الحكم على هذه الأمور بالحسن أو القبح، كما لا يختلفون في العلم بالمدركات الفردية البديهية التي يدركها العقل [1] .
وأما الشَّرع، فيبين لنا من أحوال الأفعال ما لو عرَفناه لأدرك العقل حسنه أو قبحه، وهم يقولون: إن الشرع لا يوجب قبح الأشياء ولا حسنها، وإنما يكشف عن حالها، ويدلُّ على ما تنطوي عليه، ولا تمنحه هذه الأدلَّة شيئًا ليس فيه.
هكذا احتلَّ العقل مكانًا بارزًا ميَّز هذه الطائفة عن غيرها في الاستدلال والمعالجة، وبخاصَّة إذا كانت المقارنة بينهم وبين أصحاب النُّصوص؛ أعني المحدثين، ثم الصوفية.
ثالثًا: ظهور المصطلحات الأخلاقية بشكل أوضح من ذي قبل:
وبداية نُقرِّر أنَّ هذه المصطلحات التي أخذت طريقَها إلى الفكر الأخلاقي لدى المسلمين لم تكن واردة مِن فِكر آخر؛ بل كانت وليدة الثراء اللُّغوي والديني في آنٍ معًا، وتلك خصيصة وجدت لدى المتكلمين بشكل واضح، فعلى سبيل المثال يهتم القاضي عبدالجبار بتحديد معنى الخير والشر، حتى لا يختلط
(1) انظر: القاضي عبدالجبار، المغني، 6، قسم 1، ص 7، مدكور، دراسات في الأخلاق، الجليند، مشكلة الخير والشر، 48.