وغير هذا، وإنما اهتمَّ الصوفية بالمعنى الأخلاقي للحرية، وهو العبودية لله، وفيه تمام الحرية، والتحرُّر من رِقِّ أيِّ مخلوق كائنًا مَن كان، وفي هذا التحرر - الذي هو العبودية لله - يجد الإنسان ذاته حيث اختار الله له، وألزم نفسه بهذا، وهو متحمل لمسؤوليةٍ دون جدل أو مواربة، وكأني بالصوفية يردِّدون عبارة الإمام علي بن أبي طالب: (إن الله أمر تخييرًا، ونهى تحذيرًا، ولم يكلِّف مجبرًا، ولم يرسل الأنبياء عبثًا) [1] .
سادسًا: بديهي - والحال ما أشرنا إليه - أن يخلو فكر الصوفية الأخلاقي من مصطلحات جدَّت ووجدت في بحوث بعض الأخلاقيين المسلمين، وليس ذلك راجعًا إلى سبقهم الزمني، فهم قد تميَّزتْ طائفتهم بعد عصر الترجمة أو في حينها، لكن ذلك يرجع بالدرجة الأولى إلى منطلق الأخلاقي عندهم الذي حدد الغاية، واختار الأسلوب بوجه عام.
3 -منهج المتكلِّمين:
ومن اشتهار المتكلِّمين بالجدل الديني في العقائد، فإنَّ بحوثهم الأخلاقية أخذت مكانَها بين الفكر الأخلاقي لدى المسلمين، وقد كان المعتزلة أكثر المتكلمين ضربًا في هذا الطريق، حتى نُظر إليهم على أنهم طائفة من أبرز مَن يمثِّل الفكر الأخلاقي الإسلامي، وهذا الاعتبار مبني على أساس أن القضايا الأخلاقية التي أثارها المعتزلة - مثل الحسن والقبح العقليين، ومثل حرية الإرادة - أثارت هي بدورها ردود أفعالٍ لدى غير المعتزلة من المتكلِّمين كالأشاعرة مثلًا، بل وأهل السنَّة عمومًا.
كذلك فإنَّ هذا الاعتبار قد نظر إلى المعتزلة باعتبارهم مرحلة جديدة في تطور الفكر الأخلاقي؛ حيث بروز المنحى العقلي بكلِّ ما يستلزمه من خصائص طريقًا اختلف به هؤلاء عن أهل الحديث أو الصوفية مثلًا.
والجدير بالذِّكر أنَّ المعتزلة لقوا اهتمامًا من الدارسين من هذه الزاوية، فجعلهم بعض الباحثين ممثلين للاتجاه العقلي في الفكر الأخلاقي لدى المسلمين [2] ، وجعلهم بعض الباحثين محور دراسة حول العقل والحرية [3] ، كما جعلهم بعضُ الباحثين [4] محورَ دراسة لمصطلحات ومفاهيم أخلاقية عندهم؛ كالخير والشر والواجب، ونحو ذلك.
وإذا كانت السِّمة العقليَّة قد توحي باقتراب المتكلِّمين من الفلاسفة، فإنَّ المنطلق الديني وخصائص المنهج تجعلهم شيئًا آخر غير الفلاسفة المسلمين في مجال البحث الأخلاقي.
(1) القاضي عبدالجبار، فرق وطبقات المعتزلة، 24، تحقيق د. علي سامي النشار.
(2) ينظر: الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي؛ للأستاذ الدكتور أحمد صبحي.
(3) ينظر: العقل والحرية دراسة في فكر القاضي عبدالجبار؛ عبدالستار الراوي.
(4) ينظر: مشكلة الخير والشر في الفكر الإسلامي؛ للأستاذ الدكتور محمد الجليند.