بالصفات الإلهية، سواء في باب تحديدهم لمعنى الفضائل، أم لحدود الشخصية الخلقية، أم لشروط السلوك الخلقي، وهذا كما يقول أحد الباحثين: (وهم في هذا منطقيون مع أنفسهم ما دام مصدرهم في كل نظر وسلوك هو الكتاب والسنة، وهما لم يتركا شيئًا مما يحتاج إليه المرء من الأدب مع نفسه، ومع مَن يتَّصل بهم من أهله وإخوته، وفي صلته بربه، إلَّا شَرَّعَا له وفصَّلا القول فيه) [1] .
ثالثًا: كان فهمهم أن السلوك صدى لباعث ينبثق من عقيدة، دافعًا لهم على الاهتمام في كل ما قدَّموه في هذا المجال بالجانب السيكولوجي الذي عبَّروا عنه بإصلاح الباطن، والصوفية لهم في أدب النفس، وفي الحديث عن أمراضها وعلاج ذلك، وفي الحديث عن القلب، والسر، والفؤاد، والنية - لهم في كل ذلك كلام جعلهم روَّادًا في مجال علم النفس الأخلاقي، وأثَّروا به في كثيرين ممن جاؤوا بعدهم، حتى ولو لم يكونوا من أصحاب الاتجاه الصوفي؛ مثل مسكويه، أو ابن القيم مثلًا.
رابعًا: اهتمامهم بالعمل والممارسة الخلقية كان الهدف الأول، وما كان حديثهم النظري إلا تعليمًا ينبغي أن يطبق ليكتسب قيمته، وإلا فهو كلام ينتهي أثره مع نهاية نطقه، وهذا المنحنى العملي يضعهم في مكانة خاصة عبَّر عنها دي بور بقوله: (وإذا تكلَّمنا عن التصوُّف، فنحن نعالج نظامًا عمليًّا، أساسه ديني أو روحي، ولكن للأنظمة العملية صدى في الفكر دائمًا، وهي تتخذ من ذلك صيغة نظرية ولم يكن بد من أفعال لها أسرارها ومن مُسلِّكين يقربون ما بين الإنسان وربه، ويحاول هؤلاء أن يطَّلعوا على أسرار تلك الأفعال، ثم يظهروا خواص مريديهم عليها) [2] .
ووفق هذا أُثِر عنهم أقوال؛ نذكر منها قول ذي النون المصري: (إياك أن تكون للمعرفة مدَّعيًا، أو بالزهد محترفًا، أو بالعبادة متعلقًا، وفرَّ من كل شيء إلى ربك) ، (ليس بعاقل مَن تعلم العلم فعرف به، ثم آثَر بعد ذلك هواه على علمه) [3] ، وأمثال هذه الأقوال كثير في كتب الصوفية وتاريخ الطبقات.
خامسًا: كان مِن منهجهم - إيمانًا بقيمة العمل - البعد عن الجدل الذي لا يفيد في السلوك؛ ولذلك حين تعرَّضوا لقضية الجبر والاختيار التي ملأت الساحة جدلًا، تعرَّضوا لها بنظرة تتَّسِق مع خطهم الأخلاقي، فهم يغرقون أنفسهم فيما غرق فيه المتكلمون من أسئلة؛ مثل:
هل الإنسان حر أو مجبور؟
وهل تؤثر حريته في خلق الله لأفعاله، أم أنه يخلق أفعاله؟
وما صلة هذا بالتكليف؟
وما صلته بالعدل الإلهي؟
(1) محمد يوسف موسى، تاريخ الخلاق، 165.
(2) دي بور، تاريخ الفلسفة في الإسلام، 73، ترجمة د. محمد أبو ريدة، 1938 م.
(3) الشعراني، الطبقات، 62.