فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 102

العصر، فكان التصوُّف علمًا للأخلاق يستمدُّ وجوده من أن الأخلاق هي روح الإسلام [1] ، الأمر الذي جعلهم يَقرِنون الدين بالأخلاق فيجعلون الفروضَ فضائل يجب القيام بها، كما جعَلوا المحرمات رذائل وأمراضًا نفسية يتوقَّى منها وتحتاج إلى علاج [2] .

وقد تحدَّثوا عن كثير من المفاهيم الخلقية، لكن بلُغَتهم هم ومِن منطلقهم هم، فكان حديثُهم عن الشخصية الخُلقية من منطلق بيان الصفات التي ينبغي توافرها في الشيخ والمريد، باعتبار أنهما العالِم والمتعلِّم، وكان حديثهم عن شروط السلوك الخلقي، لكن من منظور إسلامي؛ كضرورة تعانق الصدق والإخلاص والصبر في أي عمل خلقي.

وتحدَّثوا عن الفضائل والرذائل، ولم تكن الرذائل عندهم هي أضداد الفضائل التي ذكروها؛ بل سلَّطوا الضوء على رذائل كانت متفشِّية في عصرهم في القرن الثالث الهجري وقبله بقليل؛ كالسَّعي إلى الخلفاء، وتأويل العلم لأغراض غير علمية، وحب الشهرة من بعض العلماء وأمثال هذا.

الذي أريد أن أقرِّره إجمالًا هو أن الصوفية - بعد تميُّزها كطائفة من أواخر القرن الثاني الهجري - أُثِرت عنهم أقوالٌ وممارسات واضحة الدلالة على أن لهم فكرًا أخلاقيًّا، يمثِّل مرحلةً معينة من الفكر الإسلامي في هذا الشأن، وهذا الفكر الصوفي كان له أثره الواضح في كثيرين بعدهم؛ كمسكويه، وابن حزم، وابن القيم، وغيرهم [3] .

ولا شك أن فكرًا بهذا التأثير له خصائص منهجية تُميِّزه عن غيره من الاتجاهات، تحديدًا للهدف، واختيارًا للأسلوب، وموازنة بين النظر والعمل، الأمر الذي يوضحه أن نقول: إن لهذا الفكر في باب الأخلاق النظرية والعملية ملامح منهجية تتمثَّل إجمالًا فيما يلي:

أولًا: لم يكن البحث الأخلاقي عندهم ترفًا علميًّا، لكنه كان تطبيقًا لأوامر دينية، وخطة لإصلاح مجتمعاتهم التي ساءت أحوالها؛ ولذا فقد أثر عنهم نقدهم للعصر، وتوجيههم النصح للعلماء الذين يتكالبون على أبواب السلاطين، كما أثر عنهم أقوال تحقيق التوازن للأفراد الذين بهرتهم زخارف الترف في الحياة حولهم، وذلك بتذكيرهم بالحلال والحرام وما توجبه رعاية الله من سلوك أو قول، بل في المحظورات كذلك.

ثانيًا: حين تكلَّم الصوفيَّةُ - عبر مجالس تربيتهم - في المفاهيم الخُلقية التي أشرنا إلى بعضها، أو حين جاء حديثهم هذا عبر الوصايا أو النصائح أو الإجابات على الأسئلة، تلحظ في كل هذا ربطهم هذه المفاهيم

(1) أبو الوفا التفتازاني، مدخل إلى التصوف الإسلامي، 15.

(2) توفيق الطويل، الفلسفة الخلقية نشأتها وتطوراتها، 141/ الطبعة الثانية، 1967 م.

(3) إبراهيم مدكور، في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه، 125، 126، مسكويه/ تهذيب الأخلاق، 196، قارن الوصايا للمحاسبي، 69، الرعاية، 135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت