والليلة - يذكر ما يعتبره فريضة ويستدلُّ عليه بآية من كتاب الله سبحانه، ثم يردف ذلك بحديث أو أكثر، ثم يؤيد هذا بآيات توافرت لديه، أو بقول شهير، حتى ولو لم يكن لحكيم مسلم.
مثال ذلك: يقول الحسن البصري:"الفريضة السادسة: الإيمان بوعد الله تعالى وإتيان الرزق من الله؛ لقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] ، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَن انقطع إلى الدنيا وَكَله الله إليها، ومَن انقطع إلى الله كفاه مُؤْنَته، ورزقه من حيث لا يحتسب ) )، وعن فرقد رضي الله عنه: (مكتوب في التوراة: يا بن آدم، أما تستحيي تيئس مِن رزقي وأنا أرزق الغراب الأبقع في وَكْرِه، والدود في البحر، واعلَمْ أن كل شيء من نبات الأرض وما يأكله مكتوب عندي لا يخفى عليَّ منه شيء) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن رزق العبد يطلبه كما يطلبه أجله ) ) [1] ."
رابعًا: خلوُّ أعمال هؤلاء من المصطلحات غير الإسلامية، وذلك راجع إلى المرحلة المبكرة التي كُتِبت أو أمليت فيها بعضُ الأعمال؛ إذ كانت في نهايةِ القرن الأول الهجري وبعدها بقليل، كما أنه راجع إلى الخطة والهدف المعتبرين لدى هذا المحدث أو ذلك؛ إذ كان الهدف أن تعود سيادة الأخلاق الإسلامية من خلال النصوص الدالَّة على ذلك قرآنًا يفهمه الناس ويعملون به، وسنَّة يُحاكون فِعال صاحبِها صلى الله عليه وسلم.
لذا لا نلمح في أعمال كهذه اللغةَ الاصطلاحية، اللهمَّ إلَّا اللفظ القرآني؛ مثل الأخلاق، الفضائل، ونحو هذا.
كذلك خَلَت هذه الأعمال من التقسيمات التي عرَفها المسلمون بعد احتكاكهم بأفكار وثقافات أخرى؛ مثل تقسيم الفضائل والرذائل على نحو معين، وعدد محدد.
وخلوُّها من المصطلحات أو التقسيمات التي أشرنا إليها يؤكِّد إسلاميةَ هذا المنحى شكلًا ومضمونًا، كما يُؤكِّد أنه بداية بسيطة للفكر الأخلاقي لدى المسلمين؛ إذ وجود النصوص مجموعةً مرتبةً ومبوَّبة، وموضحة ببعض الآثار أحيانًا، طابعٌ عامٌّ للإنتاج العلمي في ذلك العصر.
2 -الصوفية ومنهجهم الأخلاقي:
احتلَّ الفكرُ الصوفي مكانًا بارزًا بين الاتِّجاهات الأخلاقية لدى المسلمين، إلى حدِّ أن كثيرًا من مؤرِّخي الفكر اعتبرهم مع غيرهم من المعتزلة أو مسكويه، أو غيرهما، ممثلين للفكر الأخلاقي للإسلام كما سبق أن أشرنا، كما اعتبرهم كثيرون من مؤرخي الفكر ممثلينَ للأخلاق الدينية؛ كذلك اشتهر الصوفية بمنحاهم العملي، وتركيزهم على المرانِ والممارسة؛ لذا جاءت بحوثُهم في الأخلاق - على اعتبار أنها جوهر الدين - هيكلًا جديدًا يُبرز كثيرًا من المعاني الإسلامية التي غابت عن أذهان غيرهم من علماء
(1) فرائض الإسلام، ورقة، 12.