كأن الشعب الفلسطيني لا يكفيه تخاذل العرب، وعمالة حكامهم- إلا من رحم ربي - لتنبعث من بين صفوفه أناس هوت بهم الرجولة الزائفة إلى وحل الخيانة، وزين لهم الاستعمار الشيطاني أعمالهم، فهم واحد من صنفين، إما خُدعوا وخَدعوا، وإما خانوا بارادتهم فأجرموا ..
وماذا يفعل شعب تمالأت عليه عصابات الإجرام، وكادت به دول العالم، وتخلي عنه القريب قبل البعيد؟
ماذا بيده؟
وبأي سلاح سيقاوم إذا كانت الخيانة من الرأس [1] [2] .
إن الشعب الفلسطيني أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن ينكسر ويخسر روحه المعنوية، ويركن إلى القبول بالأمر الواقع، ويطأطئ رأسه إلى الأبد، وهذا ما لم يتم ولن يتم برغم التواطؤ الدائم.
وإما أن يستمر رغم تخاذل مدّعي النخوة، ومن اختاروا الطريق الذي لا شوكة فيه، فأمنوا على أنفسهم وأموالهم وملذاتهم، وبالتالي؛ عليه أن يتعلم من الماضي حتى لا يلدغ من جحر الخونة في حياته وثوراته المستقبلية مرات ومرات.
فالعاقل الحكيم من اتعظ بغيره، فإن لم يأخذ ذلك فليتعظ بنفسه على أقل تقدير، وفي تراث شعبنا ما يكفيه من صور وأحداث تشكل لديه فهمًا سليمًا لطبيعة الصراع وأطرافه وعناصره، وبغير هذا لا يستقسم منطق، ولا تقوم حجة، واقرأ أبجديات الصراع الفكري ومراحله يأتيك بالخبر اليقين [3] .
وقد استوعب الشعراء هذا الجانب، وفصلوا فيه، وأعطوه حقه في الأشعار، وتراهم يذكرونه صراحه في قصائدهم، وتورية إذا دعت حاجة أو لغرض من أغراض الشعر اقتضى ذلك، ولكن
(1) بين الرشاد والتيه، ص 114 و 198 وفيها زيادة تفصيل وبيان.
(2) هذا ما حصل مع رسول الله، فانظر: المنهج الحركي للسيرة النبوية، منير محمد الغضبان، دار المنار - الإردن، الطبعة السادسة 1990 م، ص 231 - 233.
(3) الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، مالك بن نبي، دار الفكر- دمشق، الطبعة الثالثة 1998 م، ص 9.