وتناسى هؤلاء، من أمثال أبي رغال، أن عدوهم ماكر خبيث يعلم أن من يخون أرضه وشعبه وقضيته يمكن أن يخونه، وبالتالي، فهو لا يأمنهم مثقال حبة من خردل، وسيدوسهم ريثما يصل إلى النقطة التي وضعها لهم في برامجه ومخططاته.
لن أسترسل في الحديث، فحال الخيانة ومآله مسطور في كتب الأقدمين لمن أراد أن ينير بصيرته بمعرفته، ولكني أقف هنا مع ماضي شعبي الذي أكنّ له كل الاحترام والمحبة، فهذا الشعب أُخذ بجهله تارة، وأُخذ في مرحلة تحرره تارة أخرى، وقد دفع ضريبة ذلك في كلا الحالين من دم شبابه وحدود أرضه على حد سواء [1] .
لن نكون مثاليين في طرحنا، بأن ندعي أن الشعب الفلسطيني طاهر كله، لا تجد فيه من يشذ عن القياس، فهذا أمر نفته جعبة التاريخ بما حملته من قصص وشواهد، ويأباه كل عقل راشد، فالمجتمع مزيج متداخل، تجد فيه الأناني والنفعي والوصولي والمتسلق والمنافق، شأنه شأن كل شعوب الأرض، وهذه هي الفئات التي يبحث عنها الإستعمار لجعل مآربه قابلة للتطبيق، فالمال عنده متوفر، ووعوده لا تنفد، ومتخصصوه في البحث والتنقيب والحوار والاستقطاب حصلوا على براعة جيدة.
وقد شهد القاصي والداني، والعجم قبل العرب أن هذا الشعب الصابر ما لانت له قناة في مقارعة خصومه، برغم قلة إمكانياته، ولكنه أُثقل من كثرة الهموم، وزلزلت أركانه عندما كان يفاجئ في كل مرحلة بوجود زمرة نفعية أو متواطئة قد قبلت بما في يد المستعمر، وحنت رأسها له ولرغباته، فصار يقلبها كيف شاء، ومتى شاء، دون أن تعصي له أمرًا، حتى وضعت شعبها من خلفها في بوتقة معزولة، كالأعمى يسير إلى حيث أراد قائده، وفي نهاية المطاف يجد الشعب نفسه تحت مقصلة العدو [2] .
(1) اقرأ في ذلك: المسار، ص 57.
(2) انظر: بين الرشاد والتيه / مالك بني نبي / دار الفكر - دمشق، الطبعة الثانية 1988 م، ص 105 - 110.