وللكلمات دلالاتها في توضيح الاستاذ محمد قطب بحيث يقول: (( لقد كان الإستعمار هو التكذيب الفعلي لكل دعاوى الغرب في رفع قيمة وإنسانية حضارته وإيمانه الحقيقي بما يرفعه من شعارات، وكان دافعه الأسود كفيلًا أن يوقظ المسلمين من وهلة بناها وهمٌ إلى حقيقة تلك الحضارة الزائفة، الموغلة في الأنانية، المسفة في وجدانها الإنساني إلى الحضيض، كي يعود المسلمون إلى أمجاد تاريخهم المهجورة، ليقارنوا بين حركة الفتح الإسلامي، والإستعمار الصليبي [1] ..
من بين أزيز الرصاص، ودويّ المدافع، وتحت وطأة الموت القادم من الجو والبحر والبر، كان شعبنا الفلسطيني على موعد مع الألم، وسجّل في أضباراته التاريخية ألف اسم ممن أفقدهم الصراع العقدي عيونهم أو إحداها، وألف مصاب في أحشائه، وألف مصاب في رأسه، وألف مبتور للأطراف، لتتجمع كل هذه الآلاف التي رمزنا لها في الإحصائيات الدورية التي تصدر عن وزارات الصحة في كل مدينة ومحافظة.
لقد غصت المستشفيات، ودور الأطباء، والمراكز الطبية، بالآلاف ممن كان لهم شرف الانتماء إلى هذه الثورات المباركة، فمنهم من بتر الألم ساقيه، ومنهم من شلّته رصاصات الغدر، ومنهم المقعد والضرير والكفيف والمبتور، وكل هذه الحالات صارت معروفة لدى الشارع الفلسطيني، فما من بيت أو عائلة أو حيّ إلا ويذكر لك حين السؤال روايات عن الجرحى والمصابين [2] ..
هذا أصيب في مكان كذا في عموده الفقري فشل، وهذا اخترق الرصاص قدميه فبترت، وهذه أرعدت الشظايا في وجهه ففقأت عينيه، وهذا وهذا ..
(1) هلم نخرج من ظلمات التيه، محمد قطب، دار الشروق - القاهرة، الطبعة الأولى 1994، ص 64. بتصرف يسير يقتضيه السياق.
(2) .انظر: مجلة بلسم، جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، العدد 305 السنة السادسة والعشرون، طبعة عام 2000 م، موضوع الاحتلال يعمل على خلق جيل فلسطيني مشوه، ص 2.