وبكل جدارة؛ كان الأسير هو رسول أي ثورة، وعنوان الكرامة، وشكلت مراحل الأسر محورًا حساسًا في تاريخ الصراع مع المغتصب، وهذه القضية باعتبارها ملفًا ساخنًا على الدوام، وجرحًا ينزف ما بين كل فينة وأخرى [1] .. تشكل تراثًا لا بد من اغتنامه باستنارة في كل جهد أدبي.
ومن البدهي أن تشكل هذه الأشعار - متناثرة أو متناكحة - مادة لدى الأسرى، فهي محفوظة عن ظهر قلب، يتغنى بها السجناء لشد العزيمة، ولرفع المعنويات، وبذر الصمود والأرادة في النفس، فتسمعها تلقى بثوبها الشعري القشيب حينًا، أو موّالًا حينًا آخر، وأنشودة في كل مناسبة تتوافق أبياتها معها.
ولا بد من ذكر حقيقة هامة هنا، وهي أن الاحتلال، وعلى امتداد تاريخه الإجرامي، عمد إلى حملات الاعتقال المباشرة للأدباء والشعراء وأصحاب الدرجات العلمية العليا، بوصفهم خلف كل ثورة، ولعلم الاحتلال أنه لايقوم كفاح مؤثر بدونهم، وبالتالي؛ فقد غصت السجون بأصحاب العقول المفكرة، والأيادي البيضاء النقية، ورواد الأدب والثقافة والشعر [2] .. مما جعل الكلمة تكتب من قلب الواقع، فتخرج الصورة بيضاء صافية لا تشوبها شائبات التوقع أو التخمين.
للحقيقة .. فإن المعاناة كلما اشتدت- وهذه سمة الواقع الفلسطيني على الدوام - فإنها تخلق روح الإبداع، وتفرض على العقول أن تبتكر من الوسائل والأساليب ما يكفيها عناء الهجر والنسيان، وهذا ما أكد عليه أكثر من أديب وشاعر، لأن احتدام المعركة يفرض علينا أن نستبسل في فرض ذاتنا بكل السبل المتاحة، وبكل إمكانية متوفرة.
(1) اقتحام الوعي العالمي في إنتفاضة أسرى فلسطين في سجون الاحتلال، عيسى قراقع وجميل المطور، ط عام 1999، مركز الشرق للدراسات -رام الله، ص 58 - 61.
(2) اقرأ في ذلك: أزمة العقل السليم، د. عبد الحميد أحمد أبوسليمان، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى 1991 م، ص 50 - 53.