حين نأتي لعمل مقارنة بسيطة ما بين الماضي والحاضر، في أي مجال، سنلمس فارقًا تحدّده الضوابط والمقاييس التي اعتمدناها، وحين نخصص البحث بين الواقع الشعري في العصر الحديث وتراثه الخصب في الماضي؛ فإننا سنضع أنفسنا وسط جَلبة التعجب والدهشة، فالفارق عجيب، ونقاط حصره تطول.
بيد أن العقلانية والموضوعية والواقعية يفرضون علينا أن نضع الموازين بالقسط، وأن نستوعب في إصدارنا للحكم المعطيات المحلية والإقليمية والدولية حتى لا نجانب الصواب، ولا نهضم حق شعب له في الفضل والعطاء باع طويل.
على عكس ما سيظن البعض أني سأحاول طمس بعض الحقائق أو تغييب بعضها محاباة لشعبنا، فهذا الحديث عار عن الصحة، ولن أستند إليه ضمن التسلسل الموضوعي والحديث المنطقي الذي انتهجته.
فنحن لا نطلب من الشعب الفلسطيني أن يجاري شعر الأطلال، فظاهرة الأطلال من رحم التاريخ الذي مضى، وهي ظاهرة ترتبط بالواقع الذي يعيشه الشاعر في زمن قد درس.
لن نطلب من الشاعر أن يبدع في الغزل الشعري بينما تدوس مجنزرات العدو حديقة بيته.
لن نحاسب الشاعر بمقارنة شعره مع شعر الموشحات الأندلسية، فتلك لها طابع الترف وحياة السمر، الأمر الذي حرم منه شعب فلسطين ولم يتذوقه على مدار حياته.
فإن أردنا الإنصاف: فلن نُخضع الشاعر الفلسطيني المسلم للموازين النقدية التي حُكم بها على المقامات الشعرية التي ابتكرها بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع للهجرة، ولا للشعر الصوفي في عصر المماليك، فكل زمان له من الظواهر الأدبية والشعرية ما يحكمه، من حيث الواقع