بكل طاقاته أنه سيخوص الملحمة حتى النهاية، حتى إذا هدمت البيوت: سكن الخيام، وإذا جاع: عجن تراب أرضه وأكله، وإن عطش: فسيعصر الصخر ولايقبل الظمأ.
نحن نستوعب كل هذا الجهد، ولكن الحكمة تقتضي أن نعلن النفير العام، وندق أجراس اليقظة، ونسهم في تعبئة الأمة وتوجيهها بعمل مدروس مبرمج حازم.
الإحصائيات والأرقام الناطقة أبلغ مثال يستضاف في هذا الشأن، فالشعب الفلسطيني عاش أزمنة ودهورًا في الزمان الغابر والوقت الحاضر، كان فيها بؤرة تصدير للكفاءات والقدرات والعلماء والأدباء، وعائلة بني قدامة وحدها أكبر دليل على ذلك.
ففي أزمان العهد الإسلامي الأولى، عمّت إنتفاضة علمية أرجاء العالم الإسلامي، استمرت تتضخم وتشع سناءً يومًا بعد يوم، وكان الإسلام- مهد العلم وراعيه - يفتح عقولًا قد غلقت، وآذانًا قد صمت، وقلوبًا ران عليها حب الدنيا والركون إلى ملذاتها وشهواتها، فوجّه الأبصار إلى إهاب الكبرياء، وأسبغ على العقول فهمًا صافيًا، وتصورًا شموليا عن الإنسان والكون والحياة، مما جعله ينطلق بخطى ثابتة نحو علمٍ مؤصّل مبني على فهم سليم.
وجاءت الدولة الأموية، والدولة العباسية، ومنزلة الأدباء والعلماء والشعراء في علو وسمو مستمر، حتى صارت دور الخلافة منارات علمية وأدبية يجتمع فيها العلماء والشعراء، والتاريخ الإسلامي يذكر الروايات تلو الروايات والشخوص تلو الشخوص في هذا الجانب العامر.
من ثم؛ جاءت الدول متتابعة وأخذت العلم فِترةٌ وشِرةٌ، وأخذ يسمو وينكمش، وباتت الظروف السياسية تغلّف الطابع العلمي، حتى وصلت الأمة إلى نهايات الدولة العثمانية، حيث شهد جسم الرجل المريض أوبئة بكتيرية وعضوية فتاكة سرت في أرجائه، فتوالت المؤامرات والخيانات، وتغلغل الدهاقنة إلى داخل دائرة صنع القرار، فكثرت الزوايا الصوفية ووجدت حالة من الانعزال، وتقهقر مارد العلم في النفوس، وعاش العالم لحظات ترقّب لما سيجري من وقائع وأمور.