وقد وجد الأدباء الفلسطينيون شرفات الأمل تفتح لهم مع كل أذان يصدح من مأذنه الشّماء، ومع صوت حفيف أشجاره العلية، فتوجهوا إليه بقصائدهم تترا، وانطلقوا من رحابه إلى كل الثرى، وهم يحملون بين خباياهم مسك العبير من المسجد المقدس [1] ..
لا يدور الحديث هنا عن ما يمثله هذا المسجد من حيث روعة الفن المعماري الذي تَمثّل فيه، والذي أخرس المتفلسفين من علماء الهندسة حتى وقتنا الحاضر، ولكن الأمر إذا ارتبط بعقيدة وإيمان فقد أضفى عليه الجرس الذي تطرب له كل الآذان، ويستقبله ويستحسنه كل قلب.
لذا كانت قصائد الشعراء الفلسطينيين ودواوينهم لا تخلو من ذكر المسجد الأقصى، باعتباره المعلم الأبرز في فلسطيننا الطاهرة، وهو الذي مثل وحدة الأرض، ورفضنا للانكسار، وتقرأ على قبابه عزمات الرجال، عدا عن الفرسان الذين ضمخوا ترابه وساحاته ومحرابه وأقواسه بعبق الدم المهراق، كلهم يهدي للقدس أشواقه، ويخلع على باب المسجد أدمعه الرقراقة، ويفتديه بالخَمس ترخص دونه.
أرض فلسطين كانت على مدار التاريخ محجًّا لكل قاصد، ومطمعًا لكل ناهب، ودرةً لمن أراد أن يدخل بوابات التحكم والسيطرة، لا يسلم له ملك إن لم يمتلكها، هذه الأفكار والشواهد التاريخية قد رصدت بعيونها المفتوحة عشرات الدول والممالك التي عاشت واستوطنت على تراب فلسطين، وحاولت أن تزرع فيه جزءًا من معالم حضارتها ومدنيتها ..
المستعرض للكتب التاريخية يجد أمامه كمًّا كبيرًا من المواقع الأثرية موزعة على أعضاء الجسد الفلسطيني، من رفح إلى الناقورة، ومن القدس إلى بيت لحم إلى رام الله إلى الخليل إلى أريحا إلى غزة، وسر هكذا حتى ينبيك بحثك عن كل شبر من الأرض.
(1) .انظر: التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، أ. د: وهبة الزحيلي، دار الفكر - دمشق، الطبعة الأولى (1991) م / ج 15 - 16، ص 10 - 110.