يتأثر الشعر الفلسطيني بمجموعة من العوامل التي تمس صلب تكوين القصيدة، وطريقة التعامل مع بنائها وكيانها الخاص، ومن أهم هذه العوامل:
أولا: شلال الدم المهراق.
مواكب تتقدم، ودماء تتكلم، وأشلاء تتناثر، وأدمغة تتطاير، وأحشاء تُقاء من الصدور، إنها ساعات الكرامة، إنها عصور الرفعة، إنه الدم الذي يدفع ضريبة الفخار، وقسطًا من أقساط النصر، والعدو لا ولن يربح المعركة [1] ..
فلسطين .. ماذا أقول وقد فداك بنوك بالغالي والنفيس؟ يتدفقون نحو محاريب الشهادة، يتزنرون بالموت والنواسف والرصاص، تتكلم في أيديهم القنابل، ويصوغون من وحي إرادتهم مداد الثورة القاني
إذا تحدث متحدث عن الموت والدمار؛ فتذكر فلسطين، وإن سمعت عن بطولات شامخات؛ فتذكر صغار فلسطين، وإذا دار الحديث عن معجزات خالدات؛ فارفع هتافك ناطقًا: إنهم رجال المسرى وأبطال الأقصى، ورافضو المنفى، وعمالقة العز والدين.
ففلسطين قد دفع مهر الانتماء إليها على امتداد التاريخ عشرات الألوف، لكنها لا ولن تنساهم، فهم بنوها البررة، وفرسانها الحماة، إنهم الشهداء وكفى باللفظ تدليلًا على مكارمهم.
إنه ثمن عظيم، وتضحية باهظة قدمتها فلسطين على شرفات كل يوم يبرغ فيه النهار، كانت تنظر إليهم؛ وتودعهم نحو السماء يعرجون بأرواحهم بلا براق، يا هذه الأرواح الطاهرة، أيتها المآثر التي تقمصت ثوب البشر، أنى لنا أن ننسى - تحت أي ذريعة أو مبرر - جهد وعطاء وكفاح خير بني البشر؟
أراني بمجرد ذكرهم أغرز مخرزي في عين جلادي، واسأل كل شاعر ومثقف وأديب .. فإنك ستراه قد سطّر الملاحم والملاحم، إكبارًا لرموز التضحية، وافتح دواوين الشعر والنثر ستجد شعراء الماضي تتحجر أقلامهم عن مجاراة الوصف المذهل، فكل شاعر في العصر الحديث، شكّل لوحده مرجعًا للذاكرة الفلسطينية، ذاكرة الشهادة والشهداء والاستشهاديين، فالشعب يقدر
(1) انظر في هذا الشأن: صحيفة هآرتس الصهيونية الصادرة بتاريخ 11/ 6/2003 م، مقالة لمراسل الجريدة للشئون العربية تسفي بارئيل.