وسط بحر من الجرحى، في المدن والبوادي والأرياف والمخيمات، باتت هذه المعاناة مصدر إلهام لكل شاعر حر صافي الانتماء، فراح يؤرخ الحدث ويصف المعاناة، وينسج من الآهات أعذب القصائد، ويتغنى بالصبر والروح المعنوية العالية، ويخطّ بقلمه السيال حكايات لها في الأفق صليل وبريق.
الأمر ليس كما يظنه البعض، مجرد أوهام تقذف جزافًا هنا وهناك، أو تهويلًا للأمور من أجل استدرار مكسب أو موقف من شرق أو من غرب، فمن سار ما بين الأزقة، وتمشّى في الحواضر والمخيمات، سيلمس الجرح في وجوه الأطفال الذين أقعد الرصاص آبائهم، أو أفقدهم الدوي أسماعهم، أو نفاهم الخوف إلى متاهات الرعب والحالات النفسية القاسية [1] [2] ..
التقيت خلال وجودي في السجون الصهيونية عددًا ضخمًا ممن أصابهم الرصاص، واخترقت الشظايا أجسادهم، وأنا هنا لا أتحدث عن حالة أو حالتين، ففي دفعة واحدة وبعد معركة مخيم جنين التي سطّرها الرجال في إنتفاضة الأقصى المباركة، ألقت سيارات الاعتقال في المعتقلات من بطونها مئات المصابين ممن تتراوح إصابتهم بين الخدش وبين تغيير ملامح الوجه والجسد، فيما يعكس حالة الصراع الدموي بين المؤسسة العسكرية الصهيونية وجنرالات المقاومة الباسلة.
من بين الجراح
الشاعر بين هذه المعطيات لا يقعده إحباط، ولا توثقه سلاسل، وإنما تنتفض لهذه الآلام مشاعره، وتتوقد من هول الدماء بصيرته، وتجده يصل ليله بنهاره؛ يخطف من بريق القمر وإشعاع الشمس مدادًا لقلمه وهو يستبيح مجالات البلاغة والأدب، ويمزج ذلك كله في ملحمة أسطورية، ومعلقة جديدة، لو كان العالم حرًا ويقدرها لعلقها على جبين الشمس، ولوضع نسخها على ظهر الكواكب.
(1) للإحصائيات .. انظر: مجلة: بلسم، ص 14 - 18.
(2) بلغ عدد الجرحى خلال سنة واحدة لانتفاضة الأقصى أكثر من 30 ألف جريح، انظر مجلة المنبر، وزارة الأوقاف الفلسطينية، ص 105.