فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 108

كثرة الطعنات القاتلة التي غرست في خاصرة شعبنا وظهره ممن ينتسبون زورًا وبهتانًا إلى ترابه الطاهر وأمته العفيفة لا يحجر الأقلام، فالشاعر الفلسطيني معروف بأنه ثوري الطابع، والثائر العقائدي لا تكسر الزوابع شراعه، ولا تنثر النسائم غراسه.

وجه الظلم السافر هذا برغم لظى فعله، ووضاعة تخطيطه، وإتقان برامجه، قد أحال الناس إلى طلب العلم، وإلى التفتيش عن ضروب الحقيقة، وبذا خاب فألهم، فكانت الأحداث الخيانية التي أريد بها تمزيق أواصر الشعب ووشائجه، وكسر إرادته وعزيمته بمثابة هزة حركت العقل النائم، وارتعاشه فتحت العيون النائمة أو المغيبة عن الوعي، فكانت بذلك رافدًا من روافد الفهم السليم لمجريات الأمور، وخدمت مرحلة التمحيص والاختبار والاختيار من حيث لا تدري ولا تحتسب، وقد أرادوا بها أمرًا، والله أراد أمرًا، ولا تقف أمام ارادة الحكيم الجبار قوة.

والشعراء الفلسطينيون أمام حالات كهذه لا يكتفون بالنقد أو الشتم أو تبيان ما جرى، ولكنهم في الوقت ذاته يختصون ببيان موطن الداء وأسّ البلاء، ويكشفونه للناس حتى يحذروه.

فتراهم يشنون حملات قوية موجه لتجفيف مواقع الفتن، أو الانغماس في الشهوات، أو الانجرار وراء مقدمات الإسقاط الأخلاقي أو الأمني، ويشرعون سيوفهم في وجه كل رذيلة، ويسلطون الأضواء على كل منبع للفضيلة، وهم بذلك يتبنون أن الثقافة أصل التغيير [1] .

اشتملت القصائد الشعرية التي تناولت هذا الجانب على بيان رذائل حب الذات، وحملت الازدراء لكل نفعي، وأسقطت في نظر الناس كل وصولي ومتملق، بوصف هؤلاء وهؤلاء تربة خصبة أمام المستعمر وزبانيته، يجدون فيهم القابلية للتجاوب معهم في مرامهيم وغاياتهم، بعكس المعدن الصلب والصافي من الرجال، ممن تكحلوا بالنور، وخفقت قلوبهم بالذكر والترتيل، وتزينوا بالمعالي والمكارم، فأنى للعدو أن يستعمل من لا يُؤجِّر عقله، ولا يبيع ضميره؟

(1) انظر: نظريات التنمية السياسية المعاصرة، نصر محمد عارف، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط 1 1992 م، ص 306 - 308.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت