والثاني: من خرج أو خرج أبوه وأجداده من أرض فلسطين، فألقته سفينة الغربة في أحد مخيمات اللاجئين أو النازحين، يتنفس هواء لا يجيد استنشاقه، ويعيش في غربة أليمة المذاق والمعاش.
وعلى كلا الحالتين، لن يسلب التشريد من اللاجيء قلمه، ولن يسرق من النازح فكره، فالأبداع فينا - نحن الفلسطينيون - يجري مجرى الدم، لايفارقنا إلا حين نقذف أرواحنا من الحلقوم.
المشردون الفلسطينيون الذين رمتهم أقدارهم آلاف أو مئات الأميال خلف الحدود المصطنعة لفلسطين الطاهرة، عايشوا الحدث أولًا بأول، وشاركوا الجسم الفلسطيني الممتد آلامه وآماله، وقاسموه أفراحه وأتراحه، وهم يتلقفون آهات شعبهم المحاصر في الداخل فيحيلونها تجارب، ويكتبون أسماء الشهداء القادة على ناصيات الشوارع قبل مطالع القصائد.
محطات مضيئة:
الشعر لايترك مثل هذا الألم دون رعاية، فتجردت أقلام الدعاة، وتمردت قرائح المبدعين، وتوزعت مطالع القصائد وثناياها على محاور عدة، من أهمها:
1 -الوقوف على حدود الأرض المسلوبة، وذكر الأشواق والذكريات الغامرة التي تفيض من نفس الشاعر الذي تبعده عن أرضه هذه الأمتار القليلة، وهذه الأسلاك الشائكة، فراح يلقي شعر الحنين والشوق بعاطفته الجياشة.
2 -الحديث عن الصكوك"وأوراق الطابو"ومفاتيح الدور التي يمتلكها النازحون واللاجئون، وهم يحتفظون بها حفاظ المرء على بنيه، فهي تمثل لهم حق العودة، وهي الخنجر الذي يطعن أوهام التوطين والتعويض الذي صار شعارًا، يرفعه ايهود لنفيهم الأبدي عن الوطن.