استمر الحال على ما هو عليه حتى منتصف الثمانينات، حين انتبه العلماء إلى وجود المخطط بحجمه وشكله الواضح، فنفضوا عنهم غبار الماضي، وجعلوا من أنفسهم قدوة صالحة، إضافة إلى استثمار منابر الجمعة للتأثير على المجتمع، ولم تشهد الساحة الفلسطينية ما يمكننا اعتبار صحوة علمية إلا في الثلث الثاني من الثمانينات، حيث بدأت الجامعات الفلسطينية تخرّج كوادرها التخصصية، وافتتحت كليات الشريعة، والآداب، والعلوم الإنسانية والإدارية، وصارت بضاعة العلم رائجة، وأصبح الشباب الفلسطيني منكبًّا على تحصيل العلم بمختلف أشكاله، فتعاون متخصص الشريعة مع الأديب مع الشاعر مع خريج الإدارة ومختصي الاقتصاد، حتى شكلوا بمجموعهم: الطاقات قاعدة علمية تصلح للاتكاء عليها.
نحن في سردنا التاريخي هذا لانقف عند هذه النقطة، فمن ذا الذي ينكر دور التخصصات العلمية والفنية والتخصصية التي باتت تفتتح أبوابها كل عام؟
من يستطيع أن يطمس حقيقة الدفعات السنوية التي تستوعب المئات من طلبة الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراة) التي غدت حقل تنافس بين أبناء هذا الشعب المثابر.
فها هي الإحصائيات الحديثة تشير إلى أن الشعب الفلسطيني قد تجاوز خلال العودة المجتمعية إلى مقاعد الدراسة مرارة المراحل السابقة، وسدّ العَوَز الحاصل في المجالات التي كانت تفتقر إليها أولويات الصراع، من تخصصات الإدارة والإعلام، والسياسة والدراسات الإسلامية والعربية المعاصرة، التي أفرزت تلقائيًا مختصين في مجالات دقيقة، تسلموا زمام المواجهة بالعمل الذي نالوه فيها، وبخاصة: بعد الدرجات العليا، والاختصاصات المتنوعة الشاملة.
وبالتزامن مع هذه النهضة الحضارية الشاملة، كانت كليات اللغة العربية في الجامعات الفلسطينية بتخصصاتها تصدّر في كل عام كوكبة من المختصين، ناهيك عن العقليات التي درست فنونها، وعلى وجه التحديد - الشعر - في الجامعات العربية الأخرى، ليكونوا قاعدة العمل الأدبي، وليبدأ كل واحد منهم مشوار العطاء في الفن الذي تخصص به.