فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 157

وانظر إلى الكلمات المفردة القائمة بأنفسها في الحسن، وفيما تتضمنه من المعاني الشريفة، ثم ما شفع به هذه الآية، وقرن به هذه الدلالة: من اليد البيضاء - عن نور البرهان - من غير سوء.

انظر إلى كل آية وكل كلمة

ثم انظر في آية آية، وكلمة كلمة، هل تجدها كما وصفنا من عجيب النظم، وبديع الرصف? فكل كلمة لو أفردت كانت في الجمال غاية، وفي الدلالة آية، فكيف إذا قارنتها أخواتها، وضامتها ذواتها، تجري في الحسن مجراها، وتأخذ في معناها .. ثم من قصة إلى قصة، ومن باب إلى باب، من غير خلل يقع في نظم الفصل إلى الفصل، وحتى يصور لك الفصل وصلًا، ببديع التأليف، وبليغ التنزيل.

إن كنت من أهل الصنعة

فاعمد إلى قصة فعبر عنها بأسلوب

وإن أردت أن تتبين ما قلناه فضل تبين، وتتحقق بما ادعيناه زيادة تحقق، فإن كنت من أهل الصنعة فاعمد إلى قصة من هذه القصص، وحديث من هذه الأحاديث، فعبر عنه بعبارة من جهتك، وأخبر عنه بألفاظ من عندك، حتى ترى فيما جئت به النقض الظاهر، وتتبين في نظم القرآن الدليل الباهر.

ولذلك أعاد قصة موسى في سور، وعلى طرق شتى، وفواصل مختلفة، مع اتفاق المعنى.

سترجع إلى عقلك وتستر ما عندك

فلعلك ترجع إلى عقلك، وتستر ما عندك، إن غلطت في أمرك، أو ذهبت في مذاهب وهمك، أوسطت على نفسك وجه ظنك.

متى تهيأ لبليغ أن يتصرف في قدر آية، في أشياء مختلفة، فيجعلها مؤتلفة، من غير أن يبين على كلامه أعباء الخروج والتنقل، أو يظهر على خطابه آثار التكلف والتعمل? وأحسب أنه يسلم من هذا - ومحال أن يسلم منه - حتى يظفر بمثل تلك الكلمات الإفراد، والألفاظ الأعلام، حتى يجمع بينها، فيجلو فيها فقرة من كلامه، وقطعة من قوله? ولو اتفق له في أحرف معدودة، وأسطر قليلة، فمتى يتفق له في قدر ما نقول إنه من القرآن معجز? هيهات هيهات!

لا يمكن أن يتهيأ لبشر أن يقول ما قال القرآن

إن الصبح يطمس النجوم وإن كانت زاهرة، والبحر يغمر الأنهار وإن كانت زاخرة. متى تهيأ للآدمي أن يقول في وصف كتاب سليمان عليه السلام، بعد ذكر العنوان والتسمية، هذه الكلمة الشريفة العالية:"أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَاتُونِي مُسْلِمِينَ"، والخلوص من ذلك إلى ما صارت إليه من التدبير، واشتعلت به من المشورة، ومن تعظيمها أمر المستشار، ومن تعظيمهم أمرها، وطاعتها بتلك الألفاظ البديعة، والكلمات العجيبة البليغة، ثم كلامها بعد ذلك، لتعلم تمكن قولها:"يَا أَيُّهَا الْملأُ أََفْتُونِي في أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ"، وذكر قولهم:"قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَاسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَامُرِينَ".

لا تجد في صفتهم أنفسهم أبدع مما وصفهم به، وقوله:"الأَمْرُ إِلَيْكِ"، وتعلم براعته بنفسه وعجيب معناه، وموضع اتفاقه في هذا الكلام، وتمكن الفاصلة، وملاءمته لما قبله، وذلك قوله:"فانظري ماذا تأمُرِينَ".

انظر إلى الاختصار مع البيان والإيجاز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت