قال أكثر أهل المعاني: نزل القرآن بلسان العرب، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز؛ لأن خروج الخطيب والمتكلم من شيء إلى شيء أولى من اقتصاره في المقام على شيء واحد، قال الله تعالى: (فبأيِّ آلاء ربِّكما تُكذِّبان) ، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ) ، (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) [1]
و (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [2] : كل هذا على التأكيد [3] .
الوجه السابع من الإعجاز اللغوي
قصد في اللفظ مع وفاء المعني
من الإيجاز في القرآن الكريم
ومن بديع الإيجاز قوله تعالى في وصف خمر الجنة: لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ) [4]
فقد جمع عيوب خمر الدنيا من الصداع، وعدم العقل، وذهاب المال، ونفاد الشراب.
وحقيقة قوله تعالى: {لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} . أي: لا يصدر صداعهم عنها. والمراد: لا يلحق رؤوسهم الصداع، الذي يلحق من خمر الدنيا. وقيل: لا يفرقون عنها، بمعنى: لا تقطَع عنهم لذتهُم بسبب من الأسباب، كما تفرق أهل خمر الدنيا بأنواع من التفريق.
وقرأ مجاهد: {لَا يَصَدَّعُونَ} ، بفتح الياء وتشديد الصاد، على أن أصله: يتصدعون، فأدغم التاء في الصاد. أي: لا يتفرقون؛ كقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) [5] وقُرِئَ: لَا يَصَدَعُونَ} ، بفتح الياء والتخفيف. أي: لا يصدع بعضهم بعضًا، ولا يفرقونهم. أي: لا يجلس داخل منهم بين اثنين، فيفرق بين المتقاربين؛ فإنه سوء أدب، وليس من حسن العشرة.
وقوله تعالى: {وَلَا يُنْزِفُونَ} ، قال مجاهد، وقتادة، والضحاك: لا تذهب عقولهم بسكرها، من نزف الشارب، إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف ومنزوف. قيل: وهو من نزف الماء: نزحه من البئر شيئًا فشيئًا.
ب - بديع الإطناب قوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى) [6]
ففي قوله: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} [7] تحيير للمخاطب وتردد، في أنه كيف لا يبرئ نفسه من السوء، وهي بريئة، قد ثبت عصمتها! ثم جاء الجواب عن ذلك بقوله: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى} .
والمراد بالنَّفْسَ النفس البشرية عامة. وأمَّارَةٌ صيغة مبالغة على وزن: فعَّالة. أي: كثيرة الأمر بِالسُّوءِ. أي: بجنسه. والمراد: أنها كثيرة الميل إلى الشهوات. والمعنى: إن كل نفس أمارة بالسوء، إلا نفسًا رحمها الله تعالى بالعصمة. وهذا التفسير محمول على أن القائل يوسف عليه السلام. والظاهر أنه من قول امرأة العزيز، وأنه
(1) - النبأ 4 , 5
(2) - الشرح 5 , 6
(3) -"تفسير القرطبي" (20/ 226)
(4) - الواقعة 19
(5) - الروم 43
(6) - يوسف 53
(7) - راجع المصدر السابق سورة يوسف