والسلام:"لا تضحِّي بعوراءَ، ولا عجفاءَ، ولا عمياءَ"كيف أخرج هذه الصفات على اللفظ مؤنثة، ولا يعني الإناث من الأنعام خاصة!
وأما تنكير {نملة} ففيه دلالة على البعضيَّة، والعموم. أي: قالت نملة من هذا النمل. وهذا يعني أن كل نملة مسؤولة عن جماعة النمل.
وأما قولها: {ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} ففيه إيجاز بالحذف بليغ؛ لأن أصله: ادخلوا في مساكنكم، فحذف منه {في} ، تنبيهًا على السرعة في الدخول.
وأما قولها: {لَا يَحْطِمَنَّكُمْ} ، بنون مشددة أو خفيفة، فظاهره النفيُ؛ ولكن معناه على النهي. والنهيُ إذا جاء على صورة النفي، كان أبلغ من النهي الصريح. وفيه تنبيه على أن من يسير في الطريق، لا يلزمه التحرُّز؛ وإنما يلزم من كان في الطريق.
الوجه الثامن من الإعجاز اللغوي
جمعه بين الإجمال والبيان
البيان في اللغة [1] : -
(بان الشيء إذا انفصل فهو بائن وأبنته بالألف فصلته وبانت المرأة بالطلاق فهي بائن بغير هاء وأبانها زوجها بالألف فهي مبانة قال ابن السكيت في كتاب التوسعة وتطليقة بائنة والمعنى مبانة قال الصغاني فاعلة بمعنى مفعولة , وبان الحي بينا وبينونة ظعنوا وبعدوا وتباينوا تباينا إذا كانوا جميعا فافترقوا)
عبارة عن إظهار المعنى بعبارة مبيِّنة عن حقيقته من غير توسع في الكلام، فإنْ تأنقت في إسهاب فهي البلاغة.
نجد هذا واضحا وضوح شمس النهار في القرآن الكريم , تسمع منه الكلمة فنجد هذا واضحا وضوح شمس النهار في القرآن الكريم , تسمع منه الكلمة فإذا هي في غاية الحسن والبيان في موضعها , فإذا جئت تعبر عنها بكلمة أخري وجدتها ركيكة مخلة للنظم والمعني
مثال كلمة ضيزى: -
كقوله تعالى: (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى) [2] وقد وقف الرافعي عند هذه الكلمة وتبين من جمالها مظاهر كثيرة، ومخايل لا يملك من يطلع عليها إلا أن يخفض جناح الإقرار والتأييد، قال الرافعي: فإن حسن (ضِيزَى) في نظم الكلام من أغرب الحسن وأعجبه، ولو أردت اللغة عليها ما صلح لهذا الموضع غيرها؛ فإن السورة التي هي منها، وهي سورة النجم، مفصلة كلها على الياء، فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل، ثم هي في معرض الإنكار على العرب، إذ وردت في ذكر الأصنام وزعمهم في قسمة الأولاد، فإنهم جعلوا الملائكة والأصنام بناتٍ لله مع أولادهم البنات، فقال تعالى: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى* تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى) ، فكانت غرابة اللفظ أشد الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها، وكانت الجملة كلها كأنها تصور في هيئة النطق بها، الإنكار في الأولى والتهكم في الأخرى، وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة، وخاصة في اللفظة الغريبة التي تمكنت في موضعها من الفصل، ووصفت حالة المتهكم في إنكاره من إمالة اليد والرأس بهذين المدين فيها إلى الأسفل
(1) - المصباح المنير , الباء مع الياء
(2) - النجم 22