هو التأويل المستمر -مع التمحل والتكلف- لنصوص القرآن كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر، وكل يوم يوجد جديد، وكل أولئك لا يتفق وجلال القرآن، كما أنه يحتوي على خطأ منهجي، كما أسلفنا.
الصرفة لغة: على وزن فعلة- بفتح الفاء واللام وسكون العين-:رد الشيء عن وجهه، يقال: صرفه يصرفه، صرفا، فانصرف، وصارف نفسه عن الشيء: صرفها عنه. قال تعالى: (ثم انصرفوا) أي: رجعوا عن المكان الذي استمعوا منه، وقيل:- انصرفوا عن العمل بشيء مما سمعوا. وقوله تعالى: - (صرف الله قلوبهم) [1] أي:- أضلهم الله مجازاة على فعلهم، وصرفت الرجل عني فانصرف). [2]
الصرفة في الاصطلاح: أن الله صرف همم العرب عن معارضة القرآن، وكانت في مقدورهم، لكن عاقهم عنها أمر خارجي، فصار معجزة كسائر المعجزات، ولو لم يصرفهم عن ذلك، لجاءوا بمثله
يعزى القول بالصرفة عند كثير من الباحثين، إلى أنه من التيارات التي وفدت علينا من الخارج، وأن بعض
المتفلسفين من علماء الكلام، وقفوا على أقوال البراهمة في كتابهم الفيدا [3] ، وهو يشتمل على مجموعة من الأشعار، ليس في كلام الناس ما يماثلها -في زعمهم -، بل يقول خاصتهم: إن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثله، لأن براهما- [4] صرفهم عن أن يأتوا بمثلها، يقول-أبو الريحان البيروني (ت سنة 430 هـ) في كتابه - ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ... - ما نصه: (إن خاصتهم يقولون إن في مقدورهم أن يأتوا بأمثالها، ولكنهم ممنوعون عن ذلك احتراما لها) [5]
القائلون بالصرفة من المعتزلة: -
النظام: (ابراهيم بن سيار بن هانئ النظام البصري ت سنة 221 هـ) ، فهو أول من جاهر بالقول بالصرفة
، ترجم له أبو منصورعبد القاهر البغدادي (ت 424 هـ) - في كتابه: (الفرق بين الفرق) ، عند ذكره الفرقة النظامية، فقال: (عاشر النظام في شبابه قوما من الثنوية [6] وقوما من السمنية [7] ، وخالط قوما من ملاحدة الفلاسفة، ثم دون مذاهب الثنوية، وبدع الفلاسفة، وشبه الملاحدة في دين الإسلام، وأعجب بقول البراهمة بإبطال النبوات، ولم يجسر على إظهار هذا القول خوفا من السيف، فأنكر إعجاز القرآن في نظمه) . ثم قال: (والفضيحة الخامسة عشرة من فضائحه - أي النظام: أن نظم القرآن
(1) - سورة التوبة / 127
(2) - ابن منظور: لسان العرب -ج 7/ صفحة 328 (مادة صرف)
(3) - - الفيدا: كتاب يشمل أربعة كتب مقدسة للهندوس، وقد كتب باللغة السنسكريتية
محمد غلاب: مشكلة الألوهية - ص 97.
(4) - براهما: من آلهة الهندوس، وهو عندهم مرادف للمطلق الأعلى أو (الأتمان)
(5) - نقلا عن د. عرفة بسيوني: فكرة النظم في تطورها وأهدافها، ص 35
(6) - الثنوية: قوم يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان. ... الشهرستاني: الملل والنحل: ص / 80 بهامش الفصل.
(7) - السمنية: فرقة بوذية هندية قالت بقدم العالم وبتناسخ الأرواح -. البغدادي: الفرق بين الفرق - ص 270. وخالد العلي، الجهم بن صفوان ومكانته في الفكر الإسلامي ص 13.