فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 157

الوجه الثالث من الإعجاز اللغوي

إشتماله علي المعاني الدقيقة

من دقة اللفظ في القرآن الكريم [1]

يتأنق إسلوب القرآن في اختيار ألفاظه ولما بين الألفاظ من فروق دقيقة في دلالتها يستخدم كلا حيث يؤدي معناه في دقة فائقة تكاد بها تؤمن بان هذا المكان كانما خلقت له، تللك الكلمة بعينها وان كلمة اخرى لاتستطيع توفيه المعنى الذى وفت به اختها فكل لفظة وضعت لتؤدى نصيبها من المعنى اقوى اداء ولذلك لاتجد في القران ترادفا بل فيه كل كلمة تحمل اليك معنى جديدا ولما بين الكلمات من فروق ولما يبعثه بعضها في نفس من ايحاءات خاصة دعا القران الايستخدم لفظ مكان اخر فقال {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [2] فهو لايرى التهاون في استعمال اللفظ ولكنه يرى التدقيق فيه ليدل على الحقيقة من غير لبس ولا تمويه ولما كانت كلمة (راعنا) لها معنى في العبرية مذموم نهى المؤمنين عن مخاطبة الرسول بها فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [3] فالقرآن شديد الدقة فيما يختار من لفظ يؤدي به المعنى.

-وتنكير كلمة حياة في قوله تهالى (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) [4] يعبر تعبيرا دقيقا عن حرص هؤلاء الناس علي مطلق حياة يعيشونها مهما كانت حقيرة القدر ضئيلة القيمة وعندما اضيفت هذه الكلمة الى ياء المتكلم في قوله تعالى (وجئ يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الانسان وانى له الذكرى يقول ياليتني قدمت لحياتي) عبرت ادق تعبير عن شعور الانسان يومئذ وقد ادرك في جلاء ووضوح أن تلك الحياة الدنيا لم تكن الاوهما ىباطلا وسرابا خادعا اما الحياة الحقة الباقية فهي تلك التي بعد البعث لانها دائمة لاانقطاع لها فلا جرم أن سماها حياته وندم على انه لم يقدم عملا صالحا ينفعه في تلك الحياة ...

-ومن دقة التمييز بين معاني الكلمات مانجده من الفرق في الاستعمال بين يعلمون ويشعرون ففي الامور التي ترجع الى العقل وحده امر الفصل فيها تجد كلمة يعلمون صاحبة الحق في التعبير عنها؛ اما الامور التي يكون للحواس مدخل في شانها فكلمة (يشعرون) اولى بها؛

-وتأمل لذلك قوله تعالى {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} [5] فالسفاهه امر مرجعه الى العقل وقوله تعالى {فاما الذي امنو فيعلمون انه الحق من ربهم} وقولة تعالى {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [6] وقوله تعالى {أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [7] وقوله تعالى (أَلا إِنَّ لِلّهِ مَا فِي

(1) - من بلاغة القرآن: أحمد أحمد بدوي , دار نهضة مصر للطبع والنشر - القاهرة

(2) - الحجرات 14

(3) - البقرة 104

(4) - البقرة 96

(5) - البقرة 13

(6) - البقرة 77

(7) - الأنعام 114

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت