فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 157

أدبية مجردة عن هدف الإصلاح, كما هو الحال في عامة الفنِّ القصصي, وليست الغاية أيضا سردًا تاريخيًا جافا, كما هي مهمة المؤرخين, فالقرآن بكل ما فيه من قصص وغيرها هو كتاب هداية وعبرة بالدرجة الأولى , قال جل شأنه: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [1]

5 -الإعجاز القصصي:

إن القصة تمثل جزءًا كبيرًا من القرآن, وبالتالي فهي كسائر القرآن في كل خصائصه وسِمَاته العامة, ومن ذلك كونه معجزًا؛ فوجوه الإعجاز التي تجدها في سائر القرآن غير القصص تجدها في القصص, لكن القصص يزيد على ذلك بوجوه أخرى من الإعجاز تميزه عن غيره .. فمن تلك الوجوه: التكرار الهادف؛ حيث تجد في كل موطن من العبر واللطائف والإشارات ما لا تجده في نفس القصة في موطن آخر, ومن وجه آخر؛ حيث يعجز إنسان ـ مهما أوتي من البيان ـ عن التنويع في قصة واحدة بضروب من الفصاحة , دون أن تظهر عليه علامات الضعف أو الرِّكَّة أو التفكك أو التكلف. ومنها: إخباره عن قصص ماضية دارسة صدَّقها أهل الكتاب. ومنها: إخباره عن قصص مستقبلة غيبية .. منها ما صدقتها الأيام, ومنها ما سيقع .. وغير ذلك مما هو مبسوط في مظانِّه من كتب الإعجاز ... ولله تعالى أعلم. [2]

من إعجاز القصة , قال الباقلاني رحمه الله [3] (أتى القرآن على ذكر القصة بضروب مختلفة , بدأ بذكر السور ة، إلى أن بين أن القرآن من عنده، فقال:"وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ"، ثم وصل بذلك قصة موسى عليه السلام وأنه رأى نارًا فقال لأهله امكثوا:"إِنّيِ آنَسْتُ نَارًا سَأَتِيكُم منها بِخَبَرٍ أوْ آتِيكُم بِشهابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ".

وقال في سورة طه في هذه القصة:"لَعَّلَّيِ آتِيكُم مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجدُ عَلَى النَّارِ هُدَّى".

وفي مواضع:"لعلِّي آتِيكُم مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَة مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ"، قد تصرف في وجوه، وأتى بذكر القصة على ضروب ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك.

تحداهم أن يأتوا بحديث مثله

ولهذا قال:"فَلْيَاتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ"، ليكون أبلغ في تعجيزهم، وأظهر للحجة عليهم. وكل كلمة من هذه الكلمات وإن أنبأت عن قصة، فهي بليغة بنفسها، تامة في معناها.

انظر إلى علو أمر النداء

ثم قال:"فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ". فانظر إلى ماجرى له من الكلام، من علو أمر هذا النداء، وعظم شأن هذا الثناء، وكيف انتظم مع الكلام الأول، وكيف اتصل بتلك المقدمة، وكيف وصل بها ما بعدها من الأخبار عن الربوبية، وما دل به عليها من قلب العصامية، وجعلها دليلًا يدله عليه ومعجزة تهديه إليه.

انظر إلى الكلمات المفردة القائمة بالحسن

(1) - سورة يوسف 111

(2) - القصة في القرآن الكريم , بقلم: عبد الباسط شاكر - موقع عالم القرآن الكريم بالشبكة العنكبوتية

(3) - فصل أتى القرآن على ذكر القصة بضروب مختلفة: إعجاز القرآن الكريم: الباقلاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت