يستطيعون مثله، ولكن وجدوا في أنفسهم شبه الآفة، والعارض يعرض للإنسان فيمنعه بعض ما كان سهلا عليه، بل الواجب في مثل هذه الحال أن يقولوا: - إن كنا لا يتهيأ لنا أن نقول في معاني ما جئت به ما يشبهه، إنما نأتيك في غيره من المعاني بما شئت، وكيف شئت، بما لا يقصر عنه.
وخلاصة القول: - إن دليل النبوة عند القائلين بالصرفة، إنما كان في الصرف والمنع عن الإتيان بمثل نظم القرآن، لا في نفس النظم، ولو كان ذلك صحيحا، لكان ينبغي إذا تعجب متعجب، أن يقصد بتعجبه إلىلمنع من شيء كان يستطيعه، لا أن يقصد بتعجبه وإكباره الى الممنوع وهو القرآن الكريم، وهذا واضح لا يشكل.) [1]
4 -رد ابن عطية: (القاضي أبو محمد عبد الحق بن غالب ت 546 هـ) القول بالصرفة فقال:- (ووجه إعجازه: أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علما، وأحاط بالكلام كله علما، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن، علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى، وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر معهم الجهل، والنسيان، والذهول، ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن قط محيطا، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا النظر يبطل قول من قال: إن العرب كان في قدرتها أن تأتي بمثل القرآن، فلما جاء محمد - صلى الله عليه وسلم - صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه.
والصحيح: أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يضع خطبة، أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لايزال ينقحها حولا كاملا، ثم تعطى لآخر بعده، فيبدل فيها وينقح، ثم لا تزال فيها بعد ذلك مواضع للنظر والبدل، وكتاب الله لو نزعت منه لفظة، ثم أدير لسان العرب أن يوجد أحسن منها لم يوجد. ... إلى أن يقول: فصورة قيام الحجةبالقرآن علىلعرب: أنه لما جاء محمد- صلى الله عليه وسلم - به وقال: (فأتوا بسورة من مثله) [2] ، قال كل فصيح في نفسه: وما بال هذا الكلام حتى لا آتي بمثله؟ فلما تأمله وتدبره، ميز منه ما ميز الوليد بن المغيرة حين قال: والله ما هو بالشعر، ولا هو بالكهانة، ولا بالجنون، وعرف كل فصيح بينه وبين نفسه أنه لا قدرة لبشر على مثله، فصح عنده أنه من عند الله، فمنهم من آمن وأذعن، ومنهم من حسد كأبي جهل وغيره، ففر إلى القتال، ورضي بسفك الدم، عجزا عن المعارضة، حتى أظهر الله دينه، ودخل جميعهم فيه، ولم يمت رسول الله - ... صلى الله عليه وسلم ... - وفي الأرض قليل من العرب يعلن كفره.) [3]
5 -قال أبو حيان (أبو علي محمد بن يوسف بن علي الأندلسي ت 654 هـ) :
(اختلفوا فيما به إعجاز القرآن، فمن توغل في أساليب الفصاحة وأفانينها، وتوغل في معارف الآداب وقوانينها، أدرك بالوجدان أن القرآن أتى في غاية من الفصاحة لا يوصل إليها، ونهاية من البلاغة لا يمكن أن يحام عليها، فمعارضته عنده غير ممكنة للبشر، ولا داخلة تحت القدر، ومن لم يدرك هذا المدرك، ولا سلك هذا المسلك، رأى أنه من نمط كلام العرب، وأن مثله مقدور لمنشئ الخطب، فإعجازه عنده إنما هو بصرف
(1) الجرجاني: - عبد القاهر، الرسالة الشافية ص 146 - 154، بتصرف.
(2) - سورة البقرة، آية / 23.
(3) - ابن عطية: المحرر الوجيز، ج 1/ ص 71 - 73، و القرطبي: الجامع لأحكام القرآن -، ج 1/ ص 51.