(قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [1] ، فأشار سبحانه في ذلك إلى أمر طريقه التكلف والاجتهاد، وسبيله التأهب والاحتشاد، والمعنى في الصرفة التي وصفوها، لا يلائم هذه الصفة، فدل على أن المراد غيرها.) [2]
2 -رد الباقلاني (أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم ت 403 هـ) الصرفة بردود منها: - أولا:- لو كان الأمر على ما ذهبوا اليه، وكان الإعجاز بالصرفة حقا، لكان الأقوى في الحجة، والأبين في الدلالة، أن يجيء القرآن في أدنى درجات البلاغة، لأن ذلك أبلغ في الأعجوبة، فإن الذي يعجز عن كلام هو في مستوى كلام الناس أو أدنى منه، يكون ذلك دليلاعلى أن هناك قوة غلابة، حالت بينه وبين المعارضة، ولم يكن هناك حاجة لمجيء القرآن الكريم في نظم بديع، ومستوى رفيع عجيب، لأن الأقرب إلى قوة الدليل، ووضوح الحجة حين تكون الصرفة هي الوجه للإعجاز- أن يكون القرآن في مستوى كلامهم، أو دونه.
ثانيا:- إننا لوسلمنا أن العرب المعاصرين للبعثة قد صرفوا كما يزعمون، لم يكن من قبلهم من أهل الجاهلية مصروفين عما كان يعدل به في الفصاحة والبلاغة، وحسن النظم، وعجيب الرصف، فلما لم يوجد في كلام
من قبله مثله، علم أن ما ادعاه القائل بالصرفة ظاهر البطلان
ثالثا:- إنه لو كانت المعارضة ممكنة، وإنما منع منها الصرفة، لم يكن الكلام معجزا، وإنما يكون المنع هو المعجز، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره.) [3] .
3 -أفرد الإمام عبد القاهر الجرجاني (أبو بكر بن عبد الرحمن ت 471 هـ) فصلا كاملا في رسالته - الشافية - (في الذي يلزم القائلين بالصرفة) ، أبطل فيه مذهبهم، بردود كاقية شافية، منها: - (أنه يلزم على ادعائهم هذا، أن يكون العرب قد تراجعت حالها في البلاغة والبيان، وفي جودة النظم وشرف اللفظ، وأن يكونوا قد نقصوا في قرائحهم وأذهانهم، وعدموا الكثير مما كانوا يستطيعون، وأن تكون أشعارهم التي قالوها، والخطب التي قاموا بها، - من بعد أن أوحي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وتحدوا إلى المعارضة - قاصرة عما سمع منهم من قبل ذلك القصور الشديد، وإذا كان الأمر كذلك، وأنهم منعوا منزلة من الفصاحة قد كانوا عليها، لزمهم أن يعرفوا ذلك من أنفسهم، ولو عرفوا لجاء عنهم ذكره، ولكانوا قد قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم:إنا كنا نستطيع هذا قبل الذي جئتنا به، ولكنك سحرتنا، واحتلت علينا في شيء حال بيننا وبينه، وكان أقل ما يجب عليهم في ذلك أن يتذاكروه فيما بينهم، ويشكوا البعض إلى البعض، ويقولوا: ما لنا نقصنا في قرائحنا .. ؟ وإذا كان ذلك لم يرد، ولم يذكر إن كان منهم قول في هذا المعنى، لا ما قل ولا ما كثر، فهذا دليل على أنه قول فاسد، ورأي ليس من آراء ذوي التحصيل.
ومنها:-الأخبار التي جاءت عن العرب في شأن تعظيم القرآن، وفي وصفه بما وصفوه به من نحو:- (إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر) فمحال أن يعظموه وأن يبهتوا عند سماعه، ويستكينوا له، وهم يرون فيما قالوه وقاله الأولون مايوازيه، ويعلمون أنه لم يتعذر عليهم، لأنهم لا
(1) - سورة الاسراء / آية 88.
(2) - في بيان اعجاز القرآن: الخطابي، ص 23 - 24.
(3) - إعجاز القرآن: الباقلاني، ص 42.