سيرته وشمائله بآذانهم، ولم يعقدوا الصلة بينهم وبينه بقلوبهم، ويحبّونه بمقتضى الإيمان وعاطفته، ولكنهم لا يؤثرونه على أنفسهم وأموالهم، وأهليهم وأولادهم، ولنقل بتحديد أكثر، ومعذرة إذا كان الكلام شديدًا، فالحقّ مرٌّ، والواقع الذي نراه أمرّ، إنهم لا يؤثرونه على ذواتهم التي أتخمت بالتضخّم وحبّ الذات، وامتلأت بالعجب والغرور، حتى لم يعد فيها متّسع لشيء من النور، وغرقت في لجج من ظلمات الهوى والأثرة، بعضها فوق بعض، وتهالكت على حبّ الدنيا وإيثارها، واللهاث وراء حطامها، فأنى لها أن تخرج عن هذه الدائرة الرعناء العفنة، إلى رحب النور الغامر، والسناء الباهر، الذي سمّاه خالقه سبحانه:"سراجًا منيرًا، ونورًا مبينًا ..".
ولقد تحدّث كثير من علماء الأمّة، سلفًا وخلفًا، عن علامات المحبّة ومظاهرها وآثارها، ليحاسب المؤمن نفسه على دعاويها، ويقدّم البرهان على شرف الانتساب إلى رحاب الحبّ، وقدس القرب، وكيلا يلبّس إبليس على ذوي النفوس المريضة، بدعاوى عريضة، وهمم مهيضة، فيحسب الإنسان نفسه من الأولياء المقرّبين، وهو يغوص في لجج العصيان والطين.
ولكن القليل القليل، هم الذين تحدّثوا عن السبيل التي تكرم المؤمن بشرف الوصول، إلى رحاب الحبّ الموصول، بمرضاة الله والقبول.