من الخلفاء الراشدين، الذي قَضَوا بالحق وبِه كانوا يَعْدِلُون وقد كان مِن هَدْيِهم التَّوْرِيخ بِتَارِيخ هِجْرَتِه صلى الله عليه وسلم، قال البخاري: بَاب التَّارِيخِ مِنْ أَيْنَ أَرَّخُوا التَّارِيخَ؟ قال ابن حجر عن التَّوْرِيخ: ذَلِكَ كَانَ فِي خِلافَة عُمَر، وَأَفَادَ السُّهَيْلِيّ أَنَّ الصَّحَابَة أَخَذُوا التَّارِيخ بِالْهِجْرَةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّل يَوْم) ؛ لأَنَّهُ مِنْ الْمَعْلُوم أَنَّهُ لَيْسَ أَوَّل الأَيَّام مُطْلَقًا، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ أُضِيف إِلَى شَيْء مُضْمَر وَهُوَ أَوَّل الزَّمَن الَّذِي عَزَّ فِيهِ الإِسْلام، وَعَبَدَ فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّه آمِنًا، وَابْتَدَأَ بِنَاء الْمَسْجِد، فَوَافَقَ رَاي الصَّحَابَة اِبْتِدَاء التَّارِيخ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْم (اهـ) ، فَما أشْرَقَتْ شَمْس الْهَدَى، ولا أضاء نُور الْحَقّ إلاَّ بِمَبْعَثه صلى الله عليه وسلم ولا شَعّ شُعاع الإيمان، ولا ارتَفَعَتْ رَاية الْحَقّ عَالِيَة خَفَّاقَة، ولا انْزَوى الْكُفر إلاَّ بَعد هجرته صلى الله عليه وسلم إلى طَيبة الطَّيِّبَة فمن هُنا أرَّخ الصحابة رضي الله عنهم مِن تاريِخ هِجرته لا مِن يوم مولِده، ولا مِن يوم مَبْعَثِه صلى الله عليه وسلم، لذا كان على أمَّة الإسلام أن لا تَبْغِي بِتاريخ هِجرته صلى الله عليه وسلم بَدَلا، ولا ترضى عنه تَحوُّلا؛ لأنَّ التاريخ الهجري في حقيقته انْتِمَاء لأصل هذه الأمة، وعَودة إلى مَجْدِها وعِزِّها ذلك أن مَن ليس له ماضٍ فليس له حاضِر ولأنه يربط المسلمين بِعِزِّهم ومَجْدِهم، فلا يُصْلِح آخر هذه الأمة إلاَّ مَا أصْلح أوَّلها، كما قال وَهب بن كَيسان رحمه الله، ويَتَحَتَّم العَمَل بِتاريخ هِجرته إذا انْضَاف إلى ذلك أمور، منها:
1 -ارْتِبَاط التاريخ الهجري بِالعِبَادات قال تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (البقرة 189) والأهِلَّة جَمْع هِلال، وهو إشَارة إلى الأشهر القَمَرِيَّة، قال أئمة التفسير: جَعَلها الله مَواقيت لِصَوم المسلمين وإفطارهم، وعِدّة نسائهم، ومَحَلّ دَيْنِهم، فالأهِلَّة مَواقِيت وتَوقِيت للناس في معاملاتهم، وفي عِباداتهم، فَعباداتنا ومعاملاتنا مرتبطة بتاريخ هجرة نَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم 0
2 -أنَّ التقويم الهجري تَقويم رباني، فقد قال عليه الصلاة والسلام عن الأشهر القمرية في حَجَّة الوداع: إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ؛ ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. رواه البخاري ومسلم 0
3 -إجْمَاع الصحابة على العمل به، بالإضافة إلى كونه مِن سُنَّة الخلفاء الراشدين، وقد أُمِرنا أن نأخذ بِسُنَّتِهم، ونَقْتَدي بهم 0
4 -أن المسلم مأمور باستقلالية الشخصية التي تُمَيِّزه عن الكافر، ولا شك أنَّ ظهور التاريخ الميلادي في بعض بلاد المسلمين - إن لم يكن في أكثرها - كان سببه الاحتلال الكافِر لبلاد المسلمين 0
ومِن باب تَرْك التَّشَبُّه بأعداء دِين الله، ومِن باب إحِياء سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم إذ أمَاتها كثير مِن الناس فإني أدعو جميع إخواني المسلمين وأخواتي الْمُسْلِمات - كُلٌّ في موقِعه ومَكانه - إلى اعتماد تاريخ هجرته صلى الله عليه وسلم ابتداء، وإلى إحياء سُنَِّته صلى الله عليه وسلم وإشهار ذلك بين الناس، والإنْكَار على من يُؤرِّخ بالتاريخ الميلادي، ويَجعَله أصلا، بحيث لا يلتفت إلى تاريخ هجرته صلى الله عليه وسلم، إذ مِن المتعيِّن استعمال التاريخ الهجري ابتداء وأساسا ثم إذا أُريد إضافة تاريخ ميلادي للحاجة أو لمن لا يَعرف التاريخ الهجري يكون تبعا لا أصلا، وللعِلْم، فقد أثبت أحد الباحثين خطأ التأريخ