الزمان، ولا فيما يأتي إلى يوم القيامة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا) وخنس إبهامه في الثالثة، (والشهر هكذا وهكذا وهكذا) وأشار بأصابعه العشر، (فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين) ، وفي لفظ آخر (فأكملوا العدة) يرشد بذلك أمته عليه الصلاة والسلام إلى أن الشهر تارة يكون تسعًا وعشرين وتارة يكون ثلاثين، وصح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال (لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة) ، ولم يأمر بالرجوع إلى الحساب، ولم يأذن في إثبات الشهور بذلك، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة صنفها في هذه المسألة كما في المجلد 25 من الفتاوى صفحة 132 الإجماع على أنه لا يجوز العمل بالحساب في إثبات الأهلة وهو رحمه الله من اعلم الناس بمسائل الإجماع والخلاف، ونقل الحافظ في الفتح ج 4 ص 127 عن أبي الوليد الباجي إجماع السلف على عدم الاعتداد بالحساب، وأن إجماعهم حجة على من بعدهم، والأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها تدل على ما دل عليه الإجماع المذكور، ولست أقصد من هذا منع الاستعانة بالمراصد والنظارات على رؤية الهلال، ولكني أقصد منع الاعتماد عليها، أو جعلها معيارًا للرؤية لا تثبت إلا إذا شهدت لها المراصد بالصحة أو بأن الهلال قد ولد، فهذا كله باطل، ولا يخفى على كل من له معرفة بأحوال الحاسبين من أهل الفلك ما يقع بينهم من الاختلاف في كثير من الأحيان في إثبات ولادة الهلال أو عدمها، وفي أماكن الرؤية للهلال أو عدم ذلك، ولو فرضنا إجماعهم في وقت من الأوقات على ولادته أو عدم ولادته لم يكن إجماعهم حجة؛ لأنهم ليسوا معصومين بل يجوز عليهم الخطأ جميعًا، وإنما الإجماع المعصوم الذي يحتج به، هو إجماع سلف الأمة في المسائل الشرعية؛ لأنهم إذا أجمعوا دخلت فيهم الطائفة المنصورة التي شهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها لا تزال على الحق إلى يوم القيامة، وأما غيرهم فليس إجماعهم حجة تعارض بها الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، كما يعلم ذلك من كتب الأصول وعلم مصطلح الحديث (1) 0
قال الشيخ ابن عثيمين: وعلم منه أنه لا يجب الصوم بمقتضى الحساب، فلو قرر علماء الحساب المتابعون لمنازل القمر أن الليلة من رمضان، ولكن لم ير الهلال، فإنه لا يصام؛ لأن الشرع علق هذا الحكم بأمر محسوس وهو الرؤية، وقال بعض المتأخرين: إنه يجب العمل بالحساب إذا لم تمكن الرؤية، وبه فسر حديث ابن عمر رضي الله عنهما وفيه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم (فإن غُمّ عليكم فاقدروا له) ، وقال: إنه مأخوذ من التقدير، وهو الحساب ولكن الصحيح أن معنى (اقدروا له) مفسر بكلام النبي صلّى الله عليه وسلّم وأن المراد به إكمال شعبان ثلاثين يوما ً (2) ، وقال أيضا: الطريقة الشرعية لثبوت دخول الشهر أن يتراءى الناس الهلال، وينبغي أن يكون ذلك ممن يوثق به في دينه وفي قوة نظره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 -موقع الشيخ ابن باز http://www.binbaz.org.sa/mat/8414
2 -الشرح الممتع كتاب الصيام