فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 259

الكبرى لا يرون إلاّ ما بين أيديهم من متاع وزخرف، وذلك هو معنى قوله تعالى:''كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة'' [1] .أي (إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة، ومخالفة ما أنزله الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم من الوحي الحق والقرآن العظيم لأنّ همَّتَهم إلى الدار الدنيا العاجلة وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة) [2] .

لقد كان فرعون صاحب ثروة ومال، بل هو المالك لكل شيء له قيمة معتبرة، وكل المال بين يديه، فها هو ينادي في قومه، أي (يرفع صوته بنفسه فيما بين قومه بذلك القول، ولعله جمع عظماء القبط في محله الذي هو فيه بعد أن كُشف العذاب، فنادى فيما بينهم بذلك لتنتشر مقالته في جميع القبط، ويعظهم في نفوسهم مخافة أن يؤمنوا بموسى عليه السلام ويتركوه، أو أنّه أمر بالنداء بذلك في الأسواق والأزقة ومجاميع الناس) [3] ،''قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون'' [4] .فنراه متبجحا مفتخرا بملك مصر وتصرفه فيها، أليس لي ملك مصر من بحر الإسكندرية إلى أسوان بطول النيل، وهذه الأنهار تجري من بين يدي في الجنان والبساتين ومن تحت القصور، وهي الخلجان الكبار الخارجة من النيل، حيث كانت لهم جنات وأنهار ماء، أفلا تبصرون أي أفلا ترون ما أنا فيه من النعيم والخير والعظمة وشدّة الملك [5] .

ويسمعه قومه ويقرّونه، لأنّ النظام والمنهج الذي فرضه فرعون على النّاس يعطيه هذه الإمتيازات الخاصة، وبالتالي سيدافع فرعون عن منهجه ونظامه، لأنّه بذلك يدافع عن مكتسباته وامتيازاته مهما كانت طريقة الدفاع باطلة وهمجية، ممّا يفسر لنا سبب انحرافه وسرّ ظهور شخصيته وتكوّنها.

ومن الأدلّة على أنّه صاحب ثروة ومال قوله تعالى:''وقال موسى ربنا إنّك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك'' [6] ،والشاهد في الآية أنّ موسى أخبر في دعائه حقيقة هي: أنّ الله قد آتى فرعون وملأه زينة وأموالا، أي ما يتزين به من الملابس والمراكب والحلي والفراش والسلاح ونحوهما من أثاث الدنيا ومتاعها، وأموالا جزيلة من أعيان الذهب

(1) [القيامة:20 - 21] .

(2) تفسير ابن كثير (4/ 450 - 451) .

(3) روح المعاني (25/ 89) .

(4) [الزخرف:51] .

(5) انظر: تفسير الطبري (25/ 80) وتفسير ابن كثير (4/ 130) وتفسير الثعالبي (4/ 129) وتفسير البغوي (4/ 142) وتفسير الجلالين (1/ 652) .

(6) [يونس:88] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت