والظهور؛ ذلك هو معنى الحديث:''ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لهما من حرص المرء على المال والشرف لدينه'' [1] ،فأنت كما ترى أن حب الرياسة مرض يجلب الفساد على الحاكم والمحكوم سواء.
(فحب الرياسة والجاه من أمراض القلوب، وهو من أضر غوائل النّفس وبواطن مكائدها) [2] ،بل إنّ حب الرياسة شر من حب الدنيا، ومن ثمّ قيل: الدنيا خمر الشيطان فمن شرب منها لم يفق من سكرتها إلا في عسكر الموتى خاسرا نادما، وقالوا: (حب الرياسة أصل كل موبقة) [3] .
إنّ حب الزعامة من موانع الإيمان عند الطواغيت؛ فالذي منع أبو جهل عن الإيمان هو حب الزعامة، يقول تعالى:''وقالوا لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم'' [4] ، (فالرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف النّاس من الكفار) [5] ؛ذلك أنّهم امتنعوا عن الإيمان بسبب حبهم للزعامة والرياسة.
من هنا ندرك سببا مهما من أسباب ظهور هذه الشخصية الطاغوتية ألا وهو حب الرياسة والظهور والتسلط؛ ذلك المرض الذي يتجاوب مع مكنونات نفس فرعون وشعوره بالفوقية والعلو والترفع، وحب التفرد والاستبداد والاستئثار بمعنى أن تخلص له الزعامة والريادة.
ومع هذا نستطيع القول أنّ حب الظهور يجلب على صاحبه همّا دائما، فهو باستمرار يراقب ما يقوله النّاس عنه، ويحاول باستمرار أن يجلب إعجابهم به، وتلك غفلة منه عن الحقائق. فماذا يستفيد الإنسان حين يمدحه الآخرون؟ أليس في هذا حمق وسفه لمن يسعى لتلك الغاية؟!
أمّا النوع الثاني وهو: الملك فيعني المال والثروة وهي من أهم الزخارف الدنيوية التي تصرف النّاس عن النّظر والتدبر والمعرفة والعلم، فتصبح الدنيا أكبر همهم ومبلغ علمهم، ينشغلون بالتّافه من الأمور ويتركون العظام منها، وتصبح الدنيا محور اهتمامهم. والمنشغل في الدنيا ذاهل عن الحقائق الكبرى هابط في اهتماماته، يقول تعالى:''فلا تغرنّكم الحياة الدنيا'' [6] ،أي (فلا تغرنكم الحياة الدنيا فيذهلكم التمتع بها عن طلب الآخرة والسعي لها) [7] ،وهكذا حال الطواغيت في ذهول عن الحقائق
(1) مسند أحمد (3/ 456) وسنن الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في أخذ المال (4/ 588) رقم (2376) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. سنن الدارمي، كتاب الرقائق، باب ما ذئبان جائعان (2/ 394) رقم (2730) .
(2) فيض القدير (3/ 196) .
(3) ابن الجوزي: أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي بن محمد، (510 - 597 هـ) ،صفوة الصفوة،4 أجزاء، تحقيق: محمود فاخوري ومحمد رواس قلعه جي، ط 2،دار المعرفة، بيروت،1399 هـ - 1979 م. (4/ 236) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (صفوة الصفوة) .
(4) [الزخرف:31] .
(5) تفسير القرطبي (13/ 18) .
(6) [فاطر:5] .
(7) تفسير البيضاوي (4/ 411) .