فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 259

فينا من عمرك سنين، وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين'' [1] .قال هذا على جهة المنّ عليه والاحتقار [2] ،فهو المكر الذي يخفي الحقائق، ذلك أنّ موسى عليه السلام لم يكن ليربى في قصور الظالمين لولا القتل والتعذيب الذي مارسه فرعون على بني إسرائيل، ورغم هذه الحقيقة المرّة فقد جاء فرعون في حديثه مع موسى عليه السلام على آخر القصة المرعبة متحايلا في منطقه لإخفاء الأسباب التي جاءت بموسى إلى قصوره، فتلك نعمة تفاخر بها فرعون وقد جاءت عقب تعبيد بني إسرائيل وإذلالهم.

وبدأ فرعون يحتال بكل الوسائل للقضاء على موسى عليه السلام، فيحرض الناس ويستثير فيهم الحمية الدينية الباطلة، فهو بحاجة إلى حشد كل الطاقات بأيّ وسيلة كانت، وأهمها حَثُّ النّاس للدفاع عن الدين التي ألفته النّفوس:''وقال فرعون ذروني اقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد'' [3] .أي أريد قتله خوفا عليكم من أن يغير حالكم وعبادتكم إلى عبادة ربه، مخفيا بذلك خوفه هو من تغيير الأحكام والأوضاع التي يحرص عليها، ولكنّه احتال عليهم ليظهر وكأنّه يخشى أن يضل موسى النّاس ويغير دينهم وعاداتهم [4] .

ثمّ أظهر لهم أنّه يخشى عليهم الفساد الذي سيقع بين الناس بسبب الخلاف والفتنة؛ فيقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم إذا ظهروا عليكم كما كنتم تفعلون بهم، وهو بهذا يحشدهم في حربه ضد موسى عليه السلام. أو أنّه أراد بالفساد ظهور عبادة رب موسى الذي يدعوهم إلى عبادته، وذلك كان عنده هو الفساد. فجعل اللعين ظهور ما دعا إليه موسى وانتشاره في الأرض واهتداء الناس به فسادا، وليس الفساد إلا ما هو عليه هو ومن تابعه [5] .

ومن العجيب أنّ هذا المكر السيء الذي يقلب الحقيقة تماما ما زلنا نسمعه هنا وهناك، حيث يحذر الفراعنة الجدد من ظهور الفساد وخراب البلاد على أيّد من يسمّونهم بأسماء كثيرة ومتعددة؛ ذلك أنّ الطاغوت يُوحي للجماهير أنّ زواله لن يكون إلاّ بتخريب البلاد وتحويلها إلى دمار كامل وشامل، وكأنّ الطاغوت يُخيِّر النّاس بين القبول بالواقع الذي يعيشه النّاس في ظل الطاغوت، وبين الدمار الشامل الذي ينتظرهم إذا ما قام هؤلاء الذين يدَّعون الإصلاح بعزل الطاغوت وتدميره! وقد تنطلي تلك المناورة على بعض الجهلة، فيروحون يحذرون من الفتنة! ويروجون

(1) [الشعراء:18 - 19] .

(2) انظر: القرطبي (13/ 94 - 95) .

(3) [غافر:26] .

(4) انظر: تفسير ابن كثير (4/ 78) .

(5) انظر: تفسير ابن كثير (4/ 77،78) وتفسير الطبري (24/ 57) والسيوطي: أبو بكر، جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال، (ت 911 هـ) ، الدر المنثور،8 أجزاء، دار الفكر، بيروت، 1993 م. (7/ 284) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (الدر المنثور) وفتح القدير (4/ 488) وزاد المسير (7/ 416) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت