فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 259

بناء وحرث وحفر وغير ذلك من الأعمال الشاقة، ومن لم يستعمله ضرب عليه الجزية فيخدمه بأدائها، أو فرقا مختلفة يُكرم طائفة ويُهين أخرى، فأكرم القبطي وأهان الإسرائيلي، قد أغرى بينهم العداوة والبغضاء لئلا تتفق كلمتهم، فاستضعف طائفة منهم أي يجعلهم ضعفاء مقهورين وهم بنو إسرائيل [1] .

وهذا من باب سياسة فرق تسد، وقد أتقنها فرعون لتسهّل عليه مهمة السيطرة على الناس؛ فالفئة المستفيدة من هذه التفرقة ستدافع عن النظام القائم لأنها إنما تدافع عن مصالحها وامتيازاتها التي كسبتها من هذه التفرقة، وبهذا يضمن قِسما من الناس يؤيّده مهما كانت سياسته، ما دام هؤلاء مستفيدين من الوضع الذي خططت له الطغمة الحاكمة بشخص فرعون.

ومن المكر والاحتيال صرف نظر الجماهير كي لا ترى الحقيقة التي يخشاها فرعون ومن شاكله سعيا منهم لتزوير الحقيقة وقلب الموازين، ولهذا نادى فرعون في قومه و''قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون، أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين'' [2] .إنّه ينادي قوما تعودوا التعلق بالحياة الدنيا وزخارفها، لا يتطلعون إلاّ إلى الأرض. إنّه يلفت أنظارهم إلى ما تعلقت به قلوبهم وامتلأت به عقولهم، ويقدّم لهم المغريات.

وفي تلك اللحظة التي بهر بها أبصارهم-فلم يعودوا يروا غير المال والثروة، ولسان حالهم يقول فيها يا ليتنا نحظى بالقرب من السلطان-ينفث فرعون في روعهم مراده:''فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين'' [3] ، (فأوهم قومه أنّ رسل الله ينبغي أن يكونوا كرسل الملوك في الشاهد، ولم يعلم أنّ رسل الله إنّما أُيّدوا بالجنود السماوية، وكلّ عاقل يعلم أنّ حفظ الله موسى مع تفرده ووحدته من فرعون مع كثرة أتباعه، وإمداد موسى بالعصا واليد البيضاء كان أبلغ من أن يكون له أسورة أو ملائكة يكونوا معه أعوانا، أو دليلا على صدقه، وليس يلزم هذا لأنّ الإعجاز كاف، وقد كان من الجائز أن يكذب مع مجيء الملائكة كما كذب مع ظهور الآيات، وذكر فرعون الملائكة حكاية عن لفظ موسى لأنّه لا يؤمن بالملائكة من لا يعرف خالقهم) [4] .ولكنّها الخديعة التي انطلت عليهم من متمرس في المكر والاحتيال.

ويمكننا أن نرى المكر الذي تميزت به شخصية فرعون من خلال حواره مع موسى عليه السلام عندما بلّغه رسالة الله، فكان ردّ فرعون خبيثا مراوغا يريد تحويل الحوار عن مجراه، فبدلا من مجابهة الحجة والبرهان عدل إلى ما ظنّه احتقار وازدراء لموسى،''قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت

(1) انظر: تفسير الواحدي (2/ 812) وتفسير البغوي (3/ 434) وتفسير الصنعاني (3/ 87) وتذكرة الأريب في تفسير الغريب (1/ 54) وزاد المسير (6/ 201) وتفسير النسفي (3/ 226) .

(2) [الزخرف:51 - 52] .

(3) [الزخرف:53] .

(4) تفسير القرطبي (16/ 100 - 101) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت