طغت الصيحة على ثمود ... والطواغي جمع طاغية، وهي ما كانوا يعبدونه من الأصنام وغيرها، ومنه هذه طاغية دوس وخثعم، أي صنمهم ومعبودهم. ويجوز أن يكون المُراد بالطواغي: من طغى في الكفر وجاوز الحد وهم عظماؤهم وكبراؤهم ... والطاغية الذي لا يبالي ما أتى، يأكل النّاس ويقهرهم لا يثنيه تحرج ولا ضمير) [1] .
فالطغيان: تجاوز الحد في الكفر والتجبر والفساد ... فليس هو ارتكاب للمعصية فحسب بل تجاوز الحد فيها، وهكذا كان فرعون متجاوزا الحدّ في كل رذيلة، ففي كفره-لعنه الله- تجاوز الحد إلى إدعاء الربوبية والألوهية، واستكبر حتى طغى في استكباره بدليل قوله تعالى:''ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى'' [2] ،والآية الواحدة تَرْدَعُ؛ وهذا لم تردعه الآيات! فهو بهذا الوصف طاغوت [3] .
ولقد بيّن القرآن حقيقة طغيان فرعون بصريح العبارة، يقول تعالى:''اذهب إلى فرعون [4] إنّه طغى [5] '' [6] ،ويقول تعالى:''اذهبا [7] إلى فرعون إنّه طغى'' [8] ،ويقول تعالى:''قالا ربنا إنّنا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى'' [9] ،ويقول تعالى:''اذهب إلى فرعون إنّه طغى'' [10] ،فقد
(1) لسان العرب، مادة: طغى (15/ 7 - 8 - 9 - 10) مع بعض التصرف. وانظر مختار الصحاح، مادة: طغى (165) .
(2) [طه:56] .
(3) انظر: تفسير القرطبي (3/ 281) .
(4) إنّ ما ذهب إليه بعض المنحرفين في تأويل قوله تعالى: (إذهب إلى فرعون إنه طغى) من أنّ (إنّه) إشارة إلى قلبه وقال هو المراد بفرعون وهو الطاغي على كل إنسان (صرف لألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى الأفهام فائدة كدأب الباطنية في التأويلات فهذا أيضا حرام وضرره عظيم فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها من غير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ وسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسول الله فإن ما يسبق منه إلى الفهم لا يوثق به والباطن لا ضبط له بل تتعارض فيه الخواطر ويمكن تنزيله على وجوه شتى وهذا أيضا من البدع الشائعة العظيمة الضرر) مناهل العرفان (2/ 66) .وانظر: تفسير القرطبي (1/ 33 - 34) .
(5) (طغى: أي ترفع وعلا حتى جاوز الحد أو كاد) المصري: شهاب الدين، أحمد بن محمد الهائم، (753 -815) هـ، التبيان في تفسير غريب القرآن، تحقيق: فتحي أنور الدابولي، ط 1، دار الصحابة للتراث بطنطا، القاهرة،1992 م. (1/ 287) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (التبيان في تفسير غريب القرآن) .
(6) [طه:24] .
(7) (وقوله في موضع آخر(اذهب إلى فرعون إنه طغى) لا ينافي هذا لأنهما إذا كان مأمورين فكل واحد مأمور ويجوز أن يقال أمر موسى أولا ثم لما قال واجعل لي وزيرا من أهلي قال اذهبا إلى فرعون) تفسير القرطبي (13/ 31) ،وقيل: (خص موسى وحده بالأمر بالذهاب فيما تقدم وجمعهما هنا تشريفا لموسى بإفراده، وتأكيدا للأمر بالذهاب بالتكرير. وقيل: إن في هذا دليلا على أنه لا يكفي ذهاب أحدهما. وقيل: الأول أمر لموسى بالذهاب إلى كل الناس، والثاني أمر لهما بالذهاب إلى فرعون) فتح القدير (3/ 366) ، (ويمكن أن يقال إن تخصيص موسى بالخطاب في بعض المواطن لكونه الأصل في الرسالة والجمع بينهما في الخطاب لكونهما مرسلين جميعا) فتح القدير (4/ 76) .
(8) [طه:43] .
(9) [طه:45] .
(10) [النّازعات:17] .