فهرس الكتاب

الصفحة 8972 من 11044

وَالتَّفْرِيعُ هَذَا مَزِيدُ مُنَاسَبَةٍ لِقَوْلِهِ آنِفًا ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لَا مَوْلى لَهُمْ [مُحَمَّد: 11] الْآيَةَ.

فَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: فَاعْلَمْ كِنَايَةٌ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ وَهُوَ الْعَمَلُ بِالْمَعْلُومِ، وَذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ فِي طَلَبِ الدَّوَامِ عَلَيْهِ لِأَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ وَعَلِمَهُ الْمُؤْمِنُونَ، وَإِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ بِذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً تَقَرَّرَ فِي النَّفْسِ لِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ فَلَيْسَ الْأَمْرُ بِهِ بَعْدَ حُصُولِهِ لِطَلَبِ تَحْصِيلِهِ بَلْ لِطَلَبِ الثَّبَاتِ فَهُوَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ

[النِّسَاء: 136] . وَأَمَّا الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ فَهُوَ لِطَلَبِ تَجْدِيدِ ذَلِكَ إِنْ كَانَ قَدْ علمه النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَبْلُ وَعَمِلَهُ أَوْ هُوَ لِطَلَبِ تَحْصِيلِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَهُ مِنْ قَبْلُ.

وَذِكْرُ الْمُؤْمِناتِ بعد لِلْمُؤْمِنِينَ اهْتِمَامٌ بِهِنَّ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَإِلَّا فَإِنَّ الْغَالِبَ اكْتِفَاءُ الْقُرْآنِ بِذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَشُمُولِهِ لِلْمُؤْمِنَاتِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ لِلْعِلْمِ بِعُمُومِ تَكَالِيفِ الشَّرِيعَةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ مِنَ التَّكَالِيفِ.

وَمِنَ اللَّطَائِفِ الْقُرْآنِيَّةِ أَنْ أَمَرَ هُنَا بِالْعِلْمِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْعَمَلِ فِي قَوْلِهِ: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ فَضْلِ الْعِلْمِ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ حِينَ بَدَأَ بِهِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ. وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ «صَحِيحِهِ» بَابَ الْعِلْمِ

قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ.

وَمَا يَسْتَغْفِرُ مِنْهُ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ مِنَ السَّيِّئَاتِ لِعِصْمَتِهِ مِنْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِغْفَارٌ مِنَ الْغَفَلَاتِ وَنَحْوِهَا، وَتَسْمِيَتُهُ بِالذَّنْبِ فِي الْآيَةِ إِمَّا مُحَاكَاةٌ لِمَا كَانَ يكثر

النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَهُ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي)

وَإِنَّمَا كَانَ يَقُولُهُ فِي مَقَامِ التَّوَاضُعِ، وَإِمَّا إِطْلَاقٌ لِاسْمِ الذَّنْبِ عَلَى مَا يَفُوتُ مِنَ الِازْدِيَادِ فِي الْعِبَادَةِ مِثْلُ أَوْقَاتِ النَّوْمِ وَالْأَكْلِ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى مَا عناه

النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: «إِنَّهُ لَيُغَانُ [1] عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ

(1) يغان، أَي يغام ويغشى. وفسروا ذَلِك بالغفلات عَن الذّكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت